التفسير الذي تقدمه ايفا شاران في كتابها »الهند تقتحم العالم« هو أن الهند تمتلك جيشا من الأخصائيين بمختلف ميادين المعلوماتية وحملة الشهادات العليا مما يجعلها في المرتبة العالمية الأولى بين البلدان المصدّرة للخدمات. أمّا السر الكامن وراء هذا النجاح الباهر فيتم تحديده أنه »بكل بساطة حالة عدم المساواة القائمة بين فئات المجتمع«. ذلك أنه في هذه البلاد الفقيرة يمكن للمهندسين الهنود البارعين أن يعيشوا مثل الأثرياء الحقيقيين عبر تقاضيهم مرتبا ضئيلا إذا جرى تحويله إلى الدولار أو اليورو.
والنتيجة كما يستنتج المؤلف هي أن فرص العمل المؤهلة يتم خلقها بمئات الآلاف في الهند التي تحوّلت خلال فترة ليست طويلة إلى »الدورادو« خاصّة بالنسبة للطبقات الوسطى الهندية التي يحصل الآلاف من شبابها سنويا على أعلى الشهادات الاختصاصية .هكذا تشكّل جيش من ملايين الشباب الحالمين حاليا في »اقتحام العالم«.إن ما يهم أرباب العمل بشكل خاص في الهند هو الاحتفاظ بالمهندسين والمؤهلين في مجالات المعلوماتية والأطباء . ذلك أن ما يخشونه هو عدم الاستقرار في العمل. هكذا يعتمدون على الترسانة التقليدية من الإجراءات التي تمنع كوادرهم وباحثيهم وتقنييهم من الانجذاب إلى عروض المنافسين . من هنا تأتي الزيادات الكبيرة في الأجور وتقديم المكافآت على الإنجاز الجيّد للعمل وأيام العطل وبناء المقاصف وقاعات الرياضة والمسابح وغير ذلك. باختصار لا يتردد أرباب العمل الهنود في عمل أي شيء من أجل الاحتفاظ بالعاملين المؤهلين لديهم . بالطبع هذا ثمنه كبير ولكنه أقل من قيمة العقود الدولية التي يبرمونها.
وتشرح ايفا شاران كيف أن الهند ارتقت خلال عشرين سنة فقط إلى مصاف الدولة المصدّرة الأولى لخدمات المعلوماتية في العالم . وما بين شهر مارس ـ آذار من عام 2006 ومارس ـ آذار من عام 2007 باعت الهند ما قيمته 31 مليار دولار من هذه الخدمات للعالم الخارجي، أي ما يزيد بنسبة الثلث قياسا بالعام السابق . وينبغي أن يصل هذا الرقم إلى 50 مليار دولار في عام 2008 .
وتقدّم إيفان شاران الكثير من الدلالات على أن الهند تقتحم العالم بالفعل ، وهكذا مثلا قامت مجموعة لاكشمي الهندية بشراء شركة اسيلور الأوروبية لصناعة الحديد وحصلت مجموعة تاتا الهندية على شركة كوروس البريطانية . »إن الهنود أصبحوا فاتحين«، وهناك المئات من الأمثلة الأخرى التي تذهب في اتجاه تأكيد مثل هذا التوجّه.
وتركز أيفا شاران في العديد من التحليلات التي تقدمها على البرهان أن الحالة الهندية »معدية«. ذلك بمعنى أن الاندماج المتعاظم للهند النخبوية في إنتاج السلع والخدمات المكرّسة للتصدير إلى بقية العالم يحمل في طيّاته »أشكالا من عدم المساواة«. وكانت نفس الظاهرة قد شاعت قبل جيل بالنسبة للعمّال في البلدان المتقدمة بسبب منافسة البلدان ذات الأجور المنخفضة لليد العاملة.
وفي ظل الصعود القوي للهند وللصين بدأت العولمة تثير الخوف لدى الغربيين أنفسهم. وتدل إحصائية تنقلها أيفا شاران أن أكثر من نصف الفرنسيين يحكمون على آثار العولمة أنها سلبية ، كما تؤكد أن الهند باتت أكثر من الصين هي التي تغيّر المعطيات الاقتصادية العالمية لكن بالمقابل تبقى الهند بلد مئات الملايين من الفقراء وتشبهها أيفا شاران بكثير من الوجوه ببلد إفريقي أكثر مما هو بقوة اقتصادية كبرى في بدايات القرن الحادي والعشرين. ولا تزال البنى الأساسية في هذه البلاد وعلى رأسها الطرق، في حالة متردية عموما والكهرباء تنقطع ساعات وساعات كل يوم ومياه الشرب غير متوفرة لمناطق عديدة في شبه القارة الهندية. هذا كلّه صحيح .
لكن هذا لا يمنع واقع أن الهند هي آلة حقيقية لإنتاج النخب ومن المفترض أن يصل عدد العاملين فيها بقطاع المعلوماتية إلى مليوني مؤهّل في عام 2009.
المؤلفة في سطور
ايفا شاران صحفية فرنسية كانت قد أمضت سنوات عديدة في الهند وساهمت بالكتابة عنها في مجوعة من الصحف والدوريات .هذا هو كتابها الأول.
المنافسة والجذب
من الميزات الأساسية التي تمتلكها الهند كما تقول ايفا شاران أنها البلد الوحيد في العالم الذي تلجأ فيها المؤسسات والشركات الأكثر قدرة على المنافسة إلى زيادة أجور العاملين فيها بنسبة تتراوح بين 12 و15 بالمائة سنويا من أجل جذب أصحاب المؤهلات الشباب. لا يهم أن تكون لديهم خبرة سابقة أو لا ، فعملية تدريبهم يمكن أن تتم من خلال العمل أو قد يقدّم لهم رب العمل إمكانية التدريب التي تجعلهم قادرين على ممارسة مهنتهم بجدارة خلال عدّة أشهر فقط.
الكتاب : الهند تقتحم العالم
تأليف: ايفا شاران
الناشر: هاشيت باريس 2009
الصفحات: 328 صفحة
القطع: الصغير
L'Inde à l'assault du monde
Eve Charrin
Hachette - Paris 2009
450P .

