تصنف أحلام مستغانمي كتابها «نسيان com.» بأنه دليل النساء للنسيان، وأنه وصفات للنسيان «ما هذا الكتاب سوى إغراء للنسيان»، «كتبت دليل النسيان هذا بسخرية كبيرة»، وتؤكّد في أكثر من مقالة أنّها تورّطت في كتابته، وأنّ غايتها تبرّر تورّطها، فالنسيان سيّد الموقع والموقف معاً..
وأنه سيكون الحزب الأكثر أعضاء في العالم العربيّ الذي يكون حجم البؤس العاطفيّ فيه كبيراً جدّاً.. ثمّ تقول إنّها قضت عمراً في انتشال الحمقاوات من قصص الحبّ المغرقة، وما تزال تستمرّ في انتشالها في كتابها هذا. الكتاب أول أربعة كتب يُنتظَر أن تكتبها الكاتبة في رباعيّة الحبّ الأبديّة، بفصولها الأربعة: «اللقاء والدهشة، الغيرة واللهفة، لوعة الفراق، روعة النسيان»، والكتاب لا مألوف منذ غلافه وحتّى «السي دي» المرفق بصوت الرائعة جاهدة وهبه وهي تغنّي أحلام مستغانمي، أثبتت على الغلاف، على سنّة الماركات المسجّلة، أنّه «يُحظَّر بيعه للرجال».
وهذا بحدّ ذاته حريّ بدفع الكثيرين إلى شرائه فضولاً وتحدّياً، مروراً بالإهداء الغرائبيّ الذي أهدته أوّلاً إلى قراصنة كتبها، اللصوص الذين يسترزقون من تقليد كتبها، ثمّ توضح أنّه مشروعها يستهدف مواجهة إمبرياليّة الذاكرة، والعدوان العاطفيّ للماضي، تؤكّد أنّ الخلاص في النسيان، وأنّ الذاكرة شقاء، تعلن ثورتها على الماضي بكلّ موبقاته وويلاته وخيباته العاطفيّة، تمارس بالكلمات فَرْمَتة للذاكرة العصيّة على النسيان، «انشقّوا عن أحزابكم وطوائفكم وجنسيّاتكم ومكاسبكم، وانخرطوا في حزب، جميعنا متساوون فيه أمام الفقدان». ص9.
هكذا تتوالى الفصول، من توضيحها للرجال المتسلّلين إلى الكتاب بأنّها متجيّشة للرجولة الحقّة التي يباهي النساء بالوقوع في فتنتها الأسرة، وحتّى إعلانها ميثاق الشرف الأنثويّ، ثمّ الدعوة بالكفّ عنها، وتنبّه النساء جميعاً إلى وجوب الاقتداء بوصاياها وحفظها جيّداً توفيراً لأشهر من العذاب وأعوام من الأوهام، وتقسم ثلاثاً «إن لم تتّعظن، لأكتبنّ كتاباً خاصّاً بالرجال يُحظَّر بيعه عليكنّ، أُسدي فيه لهم نصائح لنسيانكنّ! «دبّروا راسكم» ما عاد لي علاقة بالنسيان، إنّي ذاهبة لأهيّئ لكنّ «كتاب الفراق»!»ص329.
تتقدّم مستغانمي واثقة من أنّ كتابها سيكون الأكثر قراءة بين كتبها، وربّما الأوفر حظّاً من النقد.. ذلك أنّه كتاب طريف وغنيّ في مضمونه وموضوعه، يشكّل معجماً للنسيان، ثبتاً بالواجب والجائز والبين بين، تبحث عن المرأة التي يجب عليها أن تثق بنفسها، ولا تنساق خلف غشاوات الحبّ.
ولا تنجرف مع تيّاراته التي لا ترحم، تبحث عن امرأة قويّة العزيمة والشكيمة، غير رَضوخ ولا خنوع، كلّ ذلك من خلال القصص الكثيرة التي تعرضها وتسوقها في الفصول المتعاقبة، لتدعم من موقفها المنادي إلى النسيان كحتميّة طبيعيّة مقابل الذاكرة والذكريات كأوبئة عاطفيّة يجب الشفاء منها. كأنّ النسيان هو الحسنة الكبرى والوحيدة مقابل التذكّر أو الذاكرة التي هي خطيئة الخطايا، أو ثامنة الخطايا..
لربّما يمارس الكتاب مفعولاً عكسيّاً بالنسبة للنساء، فيؤتي نتائج بعكس المتوقّع، قد يفتح بالنسبة للرجال أبواباً يتحايلون عبرها على النسيان، يتعرّفون على كلّ مجاهله ومتاهاته وأساليبه ليمارسوا التفافاً على النساء الراغبات بالنسيان، باختراع وسائل جديدة للتجذّر في الذواكر والقلوب..
«نسيان com.» خليط شاعريّ سيّريّ، تثبت فيه الكاتبة ديمومة الكتابة الشاعريّة، متحدّية أولئك الذين راهنوا بأنّها ستكون موجة في عالم الكتابة الروائيّة التي أثبتت فيها جدارتها ومقدرتها على المنافسة والتفوّق..
المؤلفة في سطور
أحلام مستغانمي كاتبة جزائرية صاحبة الثلاثية الشهيرة: «ذاكرة الجسد»، «فوضى الحواسّ»، «عابر سرير»، من بين الروائيّات العربيّات اللواتي تميّزن في كتابتهنّ الروائيّة، اختارتها مجلة «فوربيس» الأميركيّة من بين النساء العشر الأكثر تأثيراً في العالم العربيّ، والأولى في مجال الأدب، ذلك أنّ مبيعات كتبها تجاوزت مليونين وثلاثمِائة ألف نسخة.
إستشهادات للنسيان
لا تكاد تخلو صفحة من الكتاب بالاستشهادات التي يعجّ بها، حيث ترد أسماء كثيرة، منها: «إبراهيم الكونيّ، نزار قبّاني، محمود درويش، مالك حدّاد، طلال سلمان، بسّام حجّار، عناية جابر، كامي لورانس، غادة السمّان، إبراهيم ناجي، الإماراتيّة شهرزاد، ألفريد كابوس، ألفريد دي موسيه، أبو نواس، أوبرا وينفري، أيروتيكا ريتسوس، مارك توين، قيس لبنى، هنري ميشو، فيرناندو بيسوا، الإمام عليّ، أنسي الحاج، غازي القصيبي، ولاّدة بنت المستكفي، ابن زيدون، غابرييل غارسيا، كونفوشيوس، شامبور باميلا أندرسون...»، وآخرون كثيرون، ومعظم تلك الاستشهادات تدور في فلك النسيان، تدعم بها الكاتب آراءها ووصاياها.
الكتاب: نسيان .com
تأليف: أحلام مستغانمي
الناشر: دار الآداب بيروت 2009
الصفحات :330 صفحة
القطع: المتوسط
هيثم حسين

