يتتبع كتاب « المسلمون وأوروبا» لمؤلفه قاسم عبده قاسم الخطوط العامة للتطور التاريخي لصورة الآخر عند كل من العالم الأوروبي والعالم العربي طوال الفترة الممتدة من القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي، الذي شهد بداية الفتوح الإسلامية وتكوين الكيان الضخم سياسياً واقتصادياً وثقافياً والذي عرفه المؤرخون باسم الحضارة الإسلامية، حتى القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي الذي شهد بسط السيادة العثمانية على المنطقة العربية وقيام الدولة العثمانية بدور «الآخر» المسلم بديلاً عن القوى العربية في حوض البحر المتوسط وفي الأندلس التي قامت بهذا الدور في الرؤية الأوروبية في القرون السابقة.
عندما بدأ العرب المسلمون، وهم في أوج مجدهم وقوتهم، فتوحاتهم في المشرق والمغرب، كانت أوروبا تعيش في أسوأ، بل أظلم، عصورها. وكان التوجس والشك هو ما يحكم الذهنية الأوروبية تجاه هذا القادم من الصحراء. وكانت بدايات الاحتكاك بين العرب والأوروبيين في مناطق التماس بين أوروبا وآسيا، وأوروبا وإفريقيا وهي مناطق صراع مسلح، وهو ما أثر في الذهنية الأوروبية تحديداً في إطار انطباعاتها الأولى عن «الآخر»، يضاف إلى ذلك الميراث الديني العدائي من قبل الكنيسة والتي كانت تعيش تداعيات بطشها الذي طال الجميع، بما فيهم الأوروبيين أنفسهم، والتي أطلقت سهام نقدها وعدائها للإسلام والمسلمين عموماً.ظلت أوروبا والعالم العربي، بالتبادل، أسرى الجهل والحقد تجاه الآخر على المستوى الإنساني. وعلى الرغم من معرفة المسلمين بالمسيحية كدين وعقيدة، إلا أن ذلك لم يعني معرفتهم «بالأوروبي» في حياته الاجتماعية/ الإنسانية.
وكان للخيال الشعبي دور مهم في رسم صورة «الآخر» على الجانبين، وكان الآخر محلاً للخيال العدواني، سواء في أغاني الحروب الصليبية أو في المأثورات الشعبية العربية مثل «ألف ليلة وليلة»، «سيرة الظاهر بيبرس». أي أن المشاعر السلبية التي تسربت إلى الموروث الشعبي في تيار ثقافي عبر الزمن صارت جزءاً من الثقافة السائدة لدى الجانبين تجاه «الآخر».
في القرن الأول بعد الفتوح الإسلامية كانت أراضي الدولة الإسلامية مجتمعاً مفتوحاً بكل معنى الكلمة. وكانت حقوق العمل والأمن مكفولة للجميع، على عكس ما كان حادثاً في الدولة الفارسية أو البيزنطية.
ولم تكن الامتيازات وضعاً طبقياً يدافع عنه المتمتعون به، وإنما كانت حقاً لكل من يعتنق الإسلام، ويتفوق في مجاله، ونظرياً كان أبناء تلك البلاد من المسلمين مساوين لغيرهم من غير المسلمين، وكانت مرونة الدين الإسلامي ومرجعيته العقائدية والإلهية من الأسباب التي جعلته سهلاً ممكناً لأهل أوروبا.كما كانت قوانين المواريث والأسرة والاعتراف بالديانة المسيحية ونطاق أحكام الذمة واضحة ومحددة.
وهو ما أدى إلى بناء أساس سلمي للعلاقات بين الجانبين. ساهمت المصالح التجارية المشتركة في التخفيف من حدة النزعات العدائية لدى كلٍ تجاه «الآخر»، كما كانت خير سفير للتعريف بالآخر بشكل عملي بعيداً عن التعقيدات الأيديولوجية.
يشير بعض الرحالة الذين زاروا مناطق التماس العربية الأوروبية بأن «أهل الحرب في حربهم وأهل التجارة في تجارتهم»، وكان التجار الإيطاليون يرون أنهم ايطاليون أولاً ثم مسيحيون ثانياً، وكانت دفاترهم تفتتح باسم الرب وباسم الربح.
بدأت محاولة معرفة الآخر في أوروبا منذ القرن السادس عشر تسير على أسس علمية ومعرفية حقيقية، وكان ذلك واحداً من أهم أسباب نهضة أوروبا أواخر القرون الوسطى. وقامت العلاقة بين «الآنا» والآخر» في الحضارة العربية الإسلامية على أساس أخوة الجنس البشري كله من ناحية، وعلى أساس حق الآخر في الاختلاف وفي الوحود من ناحية أخرى.
المؤلف في سطور
د. قاسم عبده قاسم باحث ومؤرخ مصري ويعمل أستاذا في جامعة الزقازيق ، حاصل على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية. له أكثر من أربعين مؤلفاً في التاريخ. ترجم العديد من الكتب.
من أهم أعماله: ماهية الحروب الصليبية، الخلفية الأيديولوجية للحروب الصليبية، أهل الذمة في مصر، صورة المقاتل الصليبي في المصادر التاريخية العربية، الشعر والتاريخ في الحركة الصليبية، الحروب الصليبية في ألف ليلة وليلة، عصر سلاطين المماليك. وترجم العديد من الكتب منها: خرافة التهديد الإسلامي، الفتوحات العربية الكبرى، تاريخ أكسفورد للحروب الصليبية.
الكتاب: المسلمون وأوروبا التطور التاريخي لصورة الآخر
تأليف: د. قاسم عبده قاسم
الناشر: عين للدراسات القاهرة 2009
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
محمد جمعة

