يعد كتاب «التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر» لمؤلفه عمار على حسن مرجعاً هاماً لدراسة حالة الصوفية في مصر، في ظل تحاذبات سياسية وأوضاع اجتماعية تتطور وتتغير بوتيرة غير التي اعتادت عليها الطرق الصوفية لعقود طويلة وهناك من توقعوا تراجع الطرق الصوفية أو اندثارها في المستقبل ويستندون في ذلك إلى ثلاثة عوامل كما يرى المؤلف أولها موجة التحديث التي تتسرب رويداً رويداً إلى عقل المجتمع المصري ، وثانيها ظهور وترعرع أشكال أخرى للتدين تتمثل في جماعات شتى تتسطر فوق خريطة مصر راحت تزاحم الصوفية، وثالثها غياب الهدف السياسي الواضح للصوفية.
لكن يبدو أن الحقيقة تسير عكس هذه التوقعات كما يذكر المؤلف، فطوال القرن العشرين سارت الصوفية المصرية في اتجاه مخالف للرسم البياني الذي بشر به بعض الباحثين واستطاعت أن تضم بين مريديها بعض الفئات المحدثة، وأن تساهم في عملية التحديث الاجتماعي. ولم تؤد أشكال التدين الأخرى إلى تراجع نفوذ المتصوفة بل حدث العكس، فالنظام الحاكم كان في مصلحته دائماً أن تكون الصوفية قوية ظاهرة في مواجهة القوى الإسلامية المناوئة له، ولذا عمل طوال الوقت على إلهاب وقودها ليستمر مشتعلاً، ثم دخل الأميركيون على الخط، فزادوا هذا التوجه عمقاً، وأعطوه بعداً دولياً واستراتيجياً كبيراً.
يعتقد عمار علي حسن إن التنظيم الصوفي بشقيه- الإداري والروحي - ينتج قيماً سياسية بعضها إيجابي مثل التسامح والتماسك والتعاون والاستمرارية وبعضها سلبي لا يشجع على نشوء ثقافة الديمقراطية مثل الخضوع والطاعة العمياء والجمود والإكراه، فيما تعزز كاريزما الشيخ قيمة التسلط.
ويعتبر المؤلف رغم أن الفكر الصوفي الذي يقوم على أركان أربعة هي المعرفة اللدنية والزهد والولاية والمحبة ينتج قيماً سياسية متعارضة بعضها إيجابي مثل الانتماء والانخراط والاستقرار والتسامح والتعاون والتماسك، وقيماً سلبية مثل الإكراه والصراع والخضوع والتسلط والانعزال، فإن الممارسة الحياتية تسير في اتجاه يرفع من شأن القيم السلبية على حساب القيم الإيجابية، فتاريخ علاقة المتصوفة بالسلطة السياسية يشير إلى أنهم داهنوها وخضعوا لها أكثر مما عارضوها أو اتخذوا موقفاً حاسماً ضد فسادها وطغيانها.
كما يتوقف عمار علي حسن عند قضية تشابه أساليب التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر رغم اختلاف ظروف النشأة والمؤهلات الشخصية للشيخ والقدرة الاقتصادية والدقة التنظيمية والانتشار الجغرافي والقوى العددية لمريدي الطريقة، ومن ثم تتشابه هذه الطرق من حيث الثقافة السياسية لأفرادها.
ويعتبر عمار علي حسن إلى أن الإصلاح السياسي يتطلب ضرورة الالتفات إلى الإصلاح الديني، فطالما استقوت الجماعات والتنظيمات التي تربط الدين بالسلطة السياسية، وتبحث في الدين الإسلامي نفسه عن سلطة تشبه «الكهنوت» فإن فرص إيجاد ثقافة سياسية ديمقراطية ستصبح غاية في الضعف.
ويؤكد عمار على أنه رغم اهتمام الأدباء والفلاسفة بالصوفية والمتصوفة فإن حقل الدراسات الاجتماعية ومنها السياسية لا يزال يحتاج إلى بذل جهد أكثر لوضع هذه الظاهرة تحت مجهر البحث.
كما يعتبر أنه لابد من إعادة النظر في «الطرق الصوفية» خارج «الاعتقاد والتقديس» بمعنى أن الطرقية لم تعد شيئاً مقدساً وإنما ظاهرة اجتماعية شعبية حتى ولو أطلق عليها «دين الحرافيش» أو «الدين الشعبي» مثلما يحلو للبعض أن يصفها، وإمعان النظر فيما ورد بين دفتي هذا الكتاب إلى القول إن الاستراتيجية الأميركية الرامية إلى تعزيز التصوف في وجه الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي، محكوم عليها بالفشل.
وربما يغير الأميركيون وجهة نظرهم، حال قراءة متعمقة لما ينتجه الفكر الصوفي من ثقافة سياسية من ناحية، والإطلاع على تاريخ الطرق الصوفية في آسيا وإفريقيا من جهة ثانية، وربما يمضون في استراتيجيتهم، لكن الثابت في كل الأحوال أن الصوفية شكلت على مدار التاريخ أحد تجليات الإسلام في أبعاده الدينية والسياسية والاجتماعية، وستظل تزاول هذا التجلي في المستقبل المنظور.
الكتاب : التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر
تأليف: عمار علي حسن
الناشر: دار العين القاهرة 2009
الصفحات: 682 صفحة
القطع: المتوسط
د.خالد عزب

