كان جزءاً من مقهى القصر، هذا في منتصف السبعينات، واحداً من أهم معالمها، إنه يرتب البشر، يجلسهم على المقاعد، ثم يزيحهم عنها، وعندما لا تعجبه أشكالهم يعريهم من ثيابهم، أو يجعلهم يخلعون أحذيتهم ويرتدون عواطفهم، يأخذهم معه ليعيد تكوينهم كما يشاء.
في لوحاته يجد قراء الصحف قد أداروا ظهورهم إلى الطاولة، وكل واحد يقرأ في صحيفة، والسياسيون يتحدثون معاً بلغة واحدة وصوت واحد، لا يجدون بينهم سوى لغة الصراخ وإلغاء الآخر، والمغني في وسط الحلبة يغني لنفسه والجوقة في واد آخر، تطلق آهاتها الحبيسة في وجه الليل والمكان، والعشاق متنافرون والأصدقاء يكيدون المكائد لبعضهم.وكل يغني على ليلاه، عشاق فاشلون، أزواج تعساء، رجال محرومون من العاطفة الزوجية، وهكذا تمضي السهرة إلى آخرها ويحمل المتعبون أثقالهم ونعاسهم وتعبهم، ويبقى سعد يكن ينتظر آخر رجل في المقهى، يرصده وحيداً مع الكراسي وما بقي من سهرة البارحة ليملأ لوحة اليوم التالي بها.لا يسترخي سعد يكن إلى النجاحات الفنية التي يحققها، إنه في رحلة البحث المستمرة، لا تغريه متعة اللون الواحدة، فتراه في حالة توقّد ذهني وهو يطلق خياله الخصب على آخره، وكأنه يريد أن يصل باللوحة إلى اللامنتهى، ثم يكتشف أن ذلك لم يكن إلا بداية لموضوع جديد، فيؤسس من الفكرة الصغيرة موضوعاً متكاملاً.
وهذه المواضيع التي يتناولها في لوحاته مواضيع ذهنية مركبة ومبنية على خلفية ثقافية عميقة تجسد الصراع بين الخير والشرّ، الحلم والواقع، القوة والضعف، في حركة متضادة أحياناً، متنافرة حيناً آخر، يقوّيها انشغال باللون والتماهي به إلى درجة الذوبان، إنها عين الفنان المبدع عندما ترى ما حولها وتلتقط المهم في الحياة ليتحول عبر آلية معقدة ومتناسقة وتموجات لونية خشنة وباهرة، إنها مغامرة، فيها جرأة الكتابة التشكيلية العفوية والمباشرة التي تؤدي إلى موضوع معقد تستعصي دراسته على علماء النفس.
قد تكون لوحات «صبري مدلل» شيخ الطرب في حلب، من أعقد اللوحات وأكثرها حداثة، وقد وجد سعد يكن فيه أنموذجاً يخلد كل ما يحبه الفنان في مدينته التي ولد عاش فيها، إننا نقف أمام اللوحة فنسمع صوت المغني الأجش، وهو يغني القدود الحلبية، ونحسّ بالتأثر البادي على وجهه ويتمايل مع الآهات التي تنطلق من حنجرته، الجوقة تعصف وراءه والألوان تتمايل خدرة منتشية ورائحة المكان تندفع عبر الموسيقا وخلفية اللوحة تتماوج بالأزرق الفاتح والداكن المطعم بالسواد واللون الأحمر يستلقي بجرأته على الجميع، يخترق البياض وهو ينشد لحن الخلود.
كذلك في لوحة الصيادين وهم يرممون شباكهم سنجد السمكة فوق رؤوسهم، إنها الحلم الطاغي عليهم، بلونها الفضي الضارب إلى النحاسي، وهم مشغولون بصمتهم وهدوئهم عبر ألوان متدرجة من الأحمر في أعلى اللوحة إلى البرتقالي، مروراً بالأزرق في تدرجاته اللونية، إلى الأسود إلى الأبيض الملطخ بالسواد أشكال حزينة، تحلم بالموت والخوف والقلق وحب الحياة.
إرادة الفنان
قال عنه وليد اخلاصي: «في أواخر الستينات لفت انتباهي شاب لم يتجاوز العشرين من عمره، كان يتردّد على «مسرح الشعب» مصطحباً أوراقه وأقلامه، ينزوي في ركن ويبدأ الرسم، وفي إحدى المرات اقتربت منه في فترة الاستراحة، عرّف على نفسه بأنه يهوى الرسم، وهو يدرب نفسه على رسم الشخصيات، وهذا المكان «المسرح» من أفضل الأماكن لمتابعة حركة الأشخاص وتثبيت اللحظات التي يراها مع تداخل النور والظل والعتمة، وفي السنوات التالية أدركت أنه يمتلك الإرادة القوية ليكون فناناً ولا شيء آخر».
الفنان في سطور
سعد يكن فنان تخرج من مركز الفنون التشكيلية بحلب عام 1964، أقام العديد من المعارض على مستوى القطر وخارجه، ونال كثيراً من الجوائز على أعماله. له من الكتب الفنية : ملحمة جلجامش 1997، نساء وطوفان 1998، الطرب في حلب 2000، التحرر 2002، ألف ليلة وليلة 2008، سعد يكن يعيش ويعمل في حلب متفرّغاً للعمل المهني وأعماله موزعة في مختلف أنحاء العالم .
فيصل خرتش

