ليس مسرحه الذي قدمه مؤسسا على فرجة تنحو نحو الطقس الشعبي، ولا تأليفه ولا إخراجه لأعمال مسرحية لا زالت منعطفات تاريخية مهمة في مسيرة المسرح الخليجي ولكن كونه شعلة من نور بزق سناها في بلد خليجي وراحت في سنوات قليلة تلقي بانعكاساتها في المحيط العربي، مما دفع مسرحيين عربا لهم مكانتهم في المسرح العربي إلى الإشادة به واعتباره من الرواد رغم صغر سنه.. انه صقر الرشود الذي سطع في سماء المسرح الخليجي سريعا ثم أفل سريعا، تاركا خلفه نتاجا مسرحيا، واشتغالا وشخصية مسرحية فريدة، لا زالت أجيال المسرح تتوارث انكعاساتها.
مازال المسرحيون في الخليج يرفعون القبعة عاليا حينما يأتي ذكر المسرحي الكويتي الراحل صقر الرشود (19781941)، فهذا الذي جاء فتيا في أطروحاته المسرحية إلى الساحة المسرحية الكويتية ودفع بكثير من الانقلابات التجديدية وثار على الكلاسيكيات، وقدم مسرحا مغايرا، اعتبر مفصلا تاريخيا ساهم في تطور التجربة المسرحية هناك، هو أيضاً كذلك على مستوى المنطقة الخليجية، فامتداد تأثيره وصل بصور مباشرة وغير مباشرة إلى الساحات المسرحية المجاورة، سواء عبر الفنانين المسرحيين الذين شاركوه أعماله. أو الذين استمعوا إلى طموحاته ورؤاه أو أولئك الذين راحوا يتلمسون خلفه جماليات التجربة ومقومات حداثتها في تلك المرحلة وتمثلوها في أعمالهم التي قاموا عليها، فتأثير الرشود يبدو واضحا حينما نتقصى تجارب مسرحية عرضت هنا وهناك في المنطقة الخليجية، وحينما نتتبع اعترافات بعض المخرجين الذين جاءوا بعده وساروا على نهجه.
ولا نبالغ إن قلنا ان المسرحيين الخليجيين يعترفون بما أسموه «مسرح صقر الرشود» والذي يفرزون له خصوصية، وطابعا، حيث يلاحظ والى يومنا هذا كلام على هذه الشاكلة، وكثير من الندوات النقدية التي عادة ما تتناول العروض المسرحية رددته حينما تلامس بعض القراءات النقدية ملمحا من مسرح «الرشود»..صنف الراحل الرشود كواحد من الذين لن ينسى تاريخ الحركة المسرحية الخليجية تأثيرهم، مثله مثل أوائل المطورين والمؤصلين من الخبرات المسرحية العربية التي زارت المنطقة. المصري زكي طليمات، العراقي واثق السامرائي، المسرحي المنصف السويسي وغيرهم، من تلك العلامات والأسماء التي تركت بصمات مسرحية ساهمت في ارتقاء الحركة المسرحية الخليجية.. جاء الرشود إلى المسرح الإماراتي، بعد ذياع صيته في الكويت وعلى مستوى المنطقة كخبير ومطور مسرحي، واستدعته وزارة الثقافة والإعلام إلى الإمارات في العام «1978 العام نفسه الذي رحل فيه عن الدنيا في حادث السيارة الأليم، وكان في جولة عبر مناطق الدولة استعدادا لعرض مسرحية «الاول تحول».
حيث لم يزد التقاء التجربة المسرحية الإماراتية بهذا المسرحي أكثر من عدة شهور، حينما بدأ في الإمارات في مارس من ذلك العام وفارقها في 25 ديسمبر من العام نفسه.. قصيرة هي الفترة التي اشتغل فيها الرشود على تطوير الفعل المسرحي في الإمارات، لكن تأثير تلك الايام القليلة، وتلك الانشغالات مع مجموعة كبيرة من المسرحيين المحليين مازال يسحب ظلاله على واقع المسرح المحلي إلى اليوم، ومازال المسرحيون في الإمارات إلى اليوم يرفعون القبعة عاليا كلما تذكروا تلك الايام بتفاصيلها..
فصقر الرشود كان مسرحيا خليجيا نوعيا، تبنى خطا طليعيا حالما حينما شعر ان الممثل في منطقة الخليج بحاجة إلى التخلص من كثير من التكلس الأدائي وأفكاره المتأخرة عن ركب الحداثة المسرحية، فعمل، وكأنه يشعر بأيامه القليلة في الحياة ليل نهار..فكثير ممن عايشوا انهماكه في عمله المسرحي وجدوه منغمسا في التدريب بغية التطوير.
أكثر من ثلاثة عقود على رحيل صقر الرشود، يمر اسمه كطيف عابر حينما يدار حديث تطور الحراك المسرحي في المنطقة الخليجية، وأكثر من ثلاثة عقود هي المدة الزمنية التي ودع فيها هذا المسرحي الدنيا ورحل تاركا آخر آثاره المسرحية في الإمارات..
ولهذا فإنه مثلما تحتفي الكويت بمرور هذه القامة المسرحية المطورة على تاريخنا الفني، تتذكر الساحة المسرحية الإماراتية، وجيل من المسرحيين المخضرمين التدريبات الأخيرة له.. فيهم من استمع إليه في آخر ساعاته، لهذا فإن ارتباط صقر بالإمارات، هي تلك الذكرى التي تحكي عن سيرة مسرحي خليجي جاء إلى البلاد من اجل الأخذ بيد فنها المسرحي والتقدم إلى الإمام.
في كتابه حول نشأة وتطور الحركة المسرحية في الإمارات الذي صدر في العام 1998 يترصد الباحث عبدالله الطابور في فصل من فصوله وجود الرشود في الإمارات وتأثير هذا الوجود.. يكتب الطابور: «منذ العام 1972 وحتى العام 1978 استقدمت الإمارات مجموعة من المسرحيين العرب الذين سعوا منذ البداية من اجل بناء مسرح يستطيع خوض معترك الحياة ويقاوم أعتى الامواج.
وكان من ابرز الذين تمت الاستعانة بهم في هذا المجال الفنان الكبير زكي طليمات والفنان المصري سعد اردش والفنان الكويتي صقر الرشود والفنان العراقي إبراهيم جلال، واستمرت عملية إحضار الخبرات المسرحية وتم التعاقد مع مجموعة من المخرجين العرب من بينهم المنصف السويسي والفنان البحريني خليفة العريفي، وكان لحضور صقر الرشود تأثير مباشر في إشهار فرقة قومية تحت مسمى «مسرح الإمارات القومي» الذي ارتبط بوجوده وانطلقت أعماله الأولى على يديه.
ومن ثم رحل عنها وأكمل عدد من المخرجين العمل مع هذه الفرقة التي كانت ستشكل نواة الفرقة القومية الأولى في الإمارات، جاء الرشود حاملا شعلة الحماس وحب المسرح وبدأ عمله بالتقصي والبحث عن واقع المسرح في الإمارات، وقد كرس جهوده في مخالطة أبناء المسرح، فكان يجلس معهم جلسات لها نكهة العاشق، يتلمس لهم طريق المعرفة ويزرع في نفوسهم العطاء.
وفي العام 1978، عام رحيله عين كخبير مسرحي في وزارة الإعلام وأعطي مساحة جيدة من الصلاحيات من اجل النهوض بالحركة المسرحية المحلية، ومنذ ذلك الحين شرع يؤسس لدعم الفرق المسرحية ماليا وتحسين ظروفها وحالها، محاولا الاستعانة بالفنانين العرب الذي تواجدوا إلى جواره، وكان يتميز عن غيره بحركته وحماسه وعشقه للمسرح وإيمانه بأن الفن لا يتناسب مع الكراسي العالية والمكاتب الفخمة انما قيمته على الخشبة».
كان الانجاز الذي قدمته الرشود للحركة المسرحية المحلية في الإمارات، انه دفع مسار التفكير عند المسرحيين إلى مواضيع تلامس هموم المواطن وقضاياه الاجتماعية والقومية، واسس فرقة مسرح الإمارات القومي والحقها بقسم المسرح بوزارة الإعلام وضم لها مجموعة من الفنانين من مختلف مسارح الدولة، ووضع لها هدفا هو تمثيل الإمارات في المناسبات والمهرجانات المسرحية العربية، ومنذ تأسيسها قدمت هذه الفرقة مجموعة من الاعمال المسرحية منها مسرحية «السندباد» تأليف محفوظ عبدالرحمن واخراج صقر الرشود نفسه.
وعرضت المسرحية في العام 1978 في إمارات الدولة ورشحتها وزارة الإعلام لمهرجان دمشق الثامن، كما قدم للفرقة مسرحية «الاول تحول» من اعداد زميله ورفيق دربه الكاتب الكويتي عبدالعزيز السريع وعرضت في ابوظبي والشارقة والفجيرة وتوقف عرضها اثر الحادث المفجع الذي راح ضيحته وانطفأت بعده شعلة الحمل المحموم بالمسرح..فقد قضي صقر الرشود في الحادث اثناء رحلة إلى مدينة خورفكان لبحث مسألة عرض مسرحيته هناك.. مات وهو يتحدث عن المسرح وينشغل به إلى آخر لحظة من حياته..
في الخامس والعشرين من ديسمبر المقبل ستحين ذكرى رحيل صقر الرشود، لكن بعد هذه العقود الثلاثة من رحيله، خفت الاهتمام بهذه الذكرى هنا، بالرغم من ان المسرحيين الإماراتيين يكنون لانجاز هذا المسرحي الذي جاء اليهم مطورا ومجددا الاحترام، لكن تغيب ذكراه عن البال في معترك الحياة وواقعها الحالي.. كان الرشود ولكل من رافقوه اثناء انشغاله المحموم بالمسرح مسرحيا من طراز نادر لا تتوقف اهتماماته عندة حدود الاخراج والبحث عن نصوص لعروضه، بل كان يرافق الكتاب والمعدين، يتحدث معهم حول ما هو مهم للمتفرج.
انشغل بقضايا امته في اعماله، واستشرف مستقبل المنطقة في كثير منها، انتقد العادات والتقاليد السلبية ومارس قسوة على البيروقراطية والروتين والجهل، تناول الحرية وحق التعبير، وكان أكثر التصاقا بالعمل الورشي. ولهذا تحمل له الحركة المسرحية المحلية وبعد ان تطورت عبر تلك السنين ما تركه من تعاليم واسلوب في العمل، تمثلها العديد من المخرجين إلى اليوم، مثلما اشرنا إلى انها تبرز بين عرض واخر وفي ملامح عديدة من الاعمال المسرحية.
الراحل صقر الرشود..تلقى تعليمه في السعودية في المدينة المنورة في عام 1950 واستقر فيها مع عائلته هناك، وفي عام 1956 طلب من والده العودة إلى الكويت، ولكنه رفض فعاد وحده والتحق بعدها بكلية الصناعة، ولكنه تركها، وفي عام 1967 حصل على الشهادة المتوسطة بعد عودته إلى الدراسة، ثم حصل على الشهادة الثانوية من البحرين في عام 1969، والتحق بجامعة الكويت قسم العلوم السياسية وحصل على الشهادة في 1974 بتقدير جيد جدا.
الرشود في سطور
كتب على صقر الرشود أن يولد ويتوفى خارج بلاده، حيث عاش سنوات طفولته في مسقط رأسه في الهند مع أسرته حتى عام 1950. وتوفي بحادث سير مؤلم في دولة الإمارات في عام 1978، وقد دفن في الكويت، وحضر موكب تشييعه عدد من الفنانين رفقاء دربه والشيخ سعد العبدالله السالم الصباح.
ومن أبرز أعماله الكتابية: «فتحن» «بسافر وبس» 1963 على جناح التبريزي وتابعه قفه (1975) الطين صار سميت، الحاجز.. ومن اعماله التي اخرجها للمسرح: حفلة على الخازوق، عريس بنت السلطان، الخطأ والفضيحة، الأسرة الضائعة، أنا والأيام والجوع، المخلب الكبير، الطين، عنده شهادة، لمن القرار الأخير، بخور أم جاسم.. واعماله كثيرة بلغت 23 عملاً.
ملتقى صقر الرشود
يقام في الكويت سنويا ملتقى صقر الرشود الذي ينظمه مسرح الخليج العربي، وهي فرقته التي اسهم في تطورها عبر سنوات حياته في المسرح ويقيم المسرح خلال هذا اليوم حفلا كبيرا يدعو اليه مسرحيين من داخل وخارج الكويت، وتعقد ندوة فكرية تناقش هموم المسرح العربي، وبدأت الفرقة هذا الملتقى الذي يتذكر فيه المسرحيون سيرة هذه القامة المسرحية في العام في بداية التسعينات.



