تزاوجَ الحبرُ والقلمُ والورقةُ فأنجبوا الكتاب! هذه رباعية الثقافة بشقيها القديم والحديث. هي سلسلة متصلة من الإنجازات والابتكارات التي أتقنها الإنسان في بحثه الدؤوب عن مصادر تحضره؛ فالحبر هو عصارة الأوراق والقلم ابن الأشجار والورقة حفيدة هذا وذاك، أما الكتاب فهو أب الجميع الذي صاحبَ الأزمان والأماكن في تقلبات العصور والدهور، فارتقى سلالم الحياة وأنتج كل الحضارات والثقافات.
وهو يؤرخ لمجد الكتابة في تجلياتها العظيمة التي نقلت البشرية من عصور التخلف والشفاهية إلى عصور الكتابة وتفريعاتها الكبيرة.وصولاً للكتابة الإلكترونية التي أدخلت المجتمعات والشعوب في عصر تقني متقدم، وهو الذي دعانا أن نستعرض ماضي الكتابة والكتاب، كي نكون على صلة مع التاريخ مهما كان ذلك التاريخ بعيداً وقديماً.للكتاب مراحل وللمراحل صور وللصور اجتهادات، ولهذه الأخيرة لغة. ومن اللغة صارت الحروف والأرقام والأعداد والجمل والسطور والأبجديات، لتتكون لدينا شجرة وارفة الأغصان اسمها الكتاب، وهو يحفل بكل شيء فاتحاً دفتيه، ليستوعب الغريب والعجيب من الفصاحة والعلوم والمعلومات والتقاليد والأساطير. ويكون السفير الأول للشعوب والدول وهو ينقل مآثرها الكثيرة في الأسفار والحروب والمبتكرات والعلوم والهندسة واللغة والأدب والتكنولوجيا.
الكتابة قبل الكتاب بدأ الإنسان القديم الكتابة الصورية في أول ارتقائه الحضاري والمعرفي. وكانت الصورة تشكل معانيَ ورموزاً ودلالاتٍ، وهي الأقرب لواقع بدائي لم يتعرف بعد على الحرف والكلمة، إنما كان الرسم والنقش والصوت وسيلته للتعبير عن يومياته الكثيرة. وقد عُثر على بعض النقوش والصور عمرها 35000 سنة في كهوف «لاسكو» في فرنسا و«التميرا» في إسبانيا وعثر على الكثير من الصور والرموز الدالة على في الحضارة السومرية وذلك قبل حوالي 5500 سنة. وقد دلت هذه على تطور الكتابة، حيث عرفت كتابتهم بالمسمارية او الاسفينية. وكانت هذه الوسيلة الصورية توحي تماما بما رسم فيها.
في مرحلة أكثر تقدما تطورت إلى صور رمزية توحي بمعنى معين، أي أن كل رسمة صغيرة تدل على معنيً تام. لتشكل الجملة عدداً من الرسوم، وتم العثور على مئات الصور الرمزية في مواقع مختلفة من العالم تؤكد هذه الفرضية الحقيقية في تطور وسيلة الكتابة. وتعقيباً على تاريخ حضارة وادي الرافدين الثقافية ومثلها الحضارة الفرعونية، يمكن القول أنه قبل أكثر من أربعة آلاف سنة عرف السومريون والبابليون «الكتاب الفخاري» في حين عرف المصريون القدامى «الكتاب الدرجي» لكن المصريين صنعوا من قصب البردي أدراجاً طويلة.
وعن المصريين اقتبس الإغريق الكتاب الدرجي وعن الإغريق اقتبسه الرومان بدورهم. وحوالي سنة 400 للميلاد حل «الرق» وكان يعد من جلود الخراف والماعز محل البردي؛ وجاء بعد ذلك الإغريق وطوروا بجديتهم التي نقلوها عن الفينيقيين وذلك حوالي 403 ق.م حيث صار لديهم أبجدية خاصة بهم والتي أصبحت أساسا للأبجدية في الغرب.
ثم جاء الرومان فاخذوا الأبجدية الإغريقية، فابقوا على بعض الأحرف كما هي (حوالي 12 حرفا) وعدلوا سبعة أحرف، أعادوا استعمال ثلاثة أحرف كان قد بطل استعمالها.
وقد سادت الأبجدية الرومانية واللغة اللاتينية بلاد أوربا بعد سيطرة الإمبراطورية الرومانية على بلاد الغرب.وهذه الأبجدية مازالت تستعمل حتى يومنا هذا بعد إجراء بعض تعديلات عليها؛ وفي مرحلة متقدمة من التاريخ البشري جاء الفينيقيون وهم سكان السواحل الشرقية لحوض البحر المتوسط وذلك حوالي 1100 ق.م وابتكروا الكتابة الفينيقية مستعينين بذلك بالكتابة السومرية والمصرية القديمة وطوروها، وبذلك ابتكروا الأبجدية الفينيقية والتي هي عبارة عن حروف وكل حرف يمثل صوتا معينا، وصارت حروفهم او رموزهم واضحة سهلة للكتابة.
أما الكتابة والأبجدية العربية فقد جاءت متأخرة بعض الوقت عن باقي الأبجديات لعدم اهتمام العرب بالكتابة في عصر الجاهلية، فمعظم القبائل العربية كانت من البدو ولم يكونوا في حاجة إلى ثقة بالكتابة.
لكن بعد نزول القران الكريم ودخول الإسلام الجزيرة العربية...أخذت الكتابة العربية مكانها بين القبائل وبالأخص عندما قرر الخلفاء الراشدون تدوين القران الكريم وكان ذلك في عهد الخليفة عثمان بن عفان. ومع انتشار القران الكريم والدعوة الإسلامية في عموم الأقطار، انتشرت الكتابة العربية انتشارا واسعا، كما استعملت الكتابة العربية في لغات عديدة غير العربية منها الفارسية والأفغانية والتركية.
الكتاب بعد الكتابة
بحلول عام 1436 اخترع غوتنبرغ الطباعة بالحروف المنفصلة أو المتحركة فكان ذلك الاختراع نقطة تحول في تاريخ الكتاب نقلته من طور المخطوطة إلى طور المطبوعة، ونُسي عصر النسخ والنساخ والمخطوطات والكتابة اليدوية التي كانت تستنزف الوقت والجهد.ولاشك أن اختراع المطبعة كان له أثر كبير في تحول الحضارة من النسخ البطيء إلى الطبع السريع، مما أدى إلى نشوء حركة تأليفية واسعة النطاق.
وصار شكل الكتاب المطبوع أثراً حضارياً أنبأ عن ثورة جبارة في الطباعة الورقية، لتزدهر تجارة الورق وتصبح تجارة رائجة وأنشأت معامل كبيرة لها. فيما أخذ الإبداع الإنساني يتماهى مع هذه الحالة الجديدة التي اختصرت الوقت والجهود في التأليف المختلفة.
ولا شك أن مثل هذا التطور صاحبه بذخ فاخر في مراحل ومحطات متعددة في إنتاج الكتاب وإضفاء الفخامة عليه كما حصل في أوربا في القرنين الثامن والتاسع عشر؛ وعلى سبيل المثال عندما صدرت موسوعة ديدرو ودالمبار العلمّية، انبرى بعض المصّورين الفنّانين يصوّرون عددا من الأشياء والأدوات والآلات الميكانيكية التي تعكس ما جاء في نصوص الموسوعة من بيانات.
كما صدر كتاب فنّي فاخر يحمل على صفحاته من الحجم الكبير صورا كاريكاتورّية للمصوّر الشّهير دوميي كانت طبعاته الأولى بالأسود والأبيض. ثم ما لبثت الطّبعات اللاّحقة في مطلع القرن العشرين أن وقع تلوين تلك الصّور والمناظر الكاريكاتورّية للفنّان دوميي بالألوان الطبيعية.
أما الكتب العربية الإسلامية فلا ريب أن المصحف لاقى نقشاً وتزويقاً وخطاً يليق بمقامه، لإضفاء صورة جمالية على صفحاته، كما كان في عهد المخطوطات، حيث زيّنه خطاطون كبار كالوزير ابن البّواب والمستعصمي والقندسي المغربي.فيما كانت الكتب الفنيّة الفاخرة قد ظهرت في القرون الهجرية الرّابع والخامس والسّادس في العالم العربي.
وقد كان محتواها في الأوّل أدبيّا فيما يبدو، مثل محتوى كتاب كليلة ودمنة وكتاب مقامات الحريري وكتاب عجائب المخلوقات. كما صدر في بغداد عاصمة الخلافة العباسيّة كتاب مقامات الحريري بتصوير الفنّان التّشكيلي العربي الواسطي. وقد وصلنا هذا الكتاب في العصر الحديث، وشهدنا من جهة براعة الفنّان الواسطي ونبوغه في فنّ التّصوير.
عصر الكتاب الإلكتروني
غادرنا المخطوطة منذ عقود من السنوات ودخلنا عصر الكتاب المطبوع وما زلنا فيه، غير أن تكنولوجيا الحداثة والثورة الجبارة في الإلكترونيات أنتجت لنا الكتاب الإلكتروني بحلّة قد لا نتوقعها، حينما انضغطت ملايين الصفحات الورقية في رقاقات غير مرئية بشكل ملفات نصية تتشابه مع الكتب من حيث ترتيبها، وبعد ظهور الانترنت أصبح شراء الكتب الالكترونية أمرا عادياً على الشبكة العالمية.
وتتوفر هذه الكتب على أنساق مختلفة والنسق يستخدم لصناعة الملفات المساعدة في البرامج.وهو في الأصل ملف واحد مكون من عدة صفحات مصنوعة بلغة برمجة المواقع HTML لكن يمكن أيضا استخدامه لصناعة كتاب الكتروني، وفي هذه الحالة فإن الملف قد يحتوي على نصوص بالإضافة إلى صور رقمية.
غير أن النسق PDF يفتح بواسطة برنامج Adobe Acrobat وهذا النوع من الملفات له صفات غير موجودة في الأنواع الأخرى من ملفات الكتب الالكترونية ومنها إمكانية تشفير النص بحيث لا يستطيع احد نسخه كما هو مكتوب.
وإمكانية إضافة توقيع أو شهادة رقمية من مؤلف الكتاب. وإمكانية طباعة كامل صفحات الكتاب، وهناك خيار لتعطيل هذه الإمكانية عند صنع الملف. لكن هذا النوع كما لباقي الأنواع عيوب ومنها على سبيل المثال أن الملفات الكبيرة منه تستهلك ذاكرة كبيرة قبل فتحها نظرا لان الحاسوب يقوم بإحضار كل كمية المعلومات المتوفرة في الكتاب إلى الذاكرة فيسبب بطئ الحاسوب.
أما النسقان TXT وRTF فهما من أبسط أنوع الكتب الالكترونية نظرا لسهولة إنشائهما. والنسق HTML هو النسق المستعمل في برمجة صفحات الويب ويستعمل أحيانا لصنع كتب الكترونية خاصة تلك المعروضة للتصفح والطباعة على شبكة الانترنت.
وهذا النوع من الكتب الالكترونية عادة ما يتكون من أكثر من صفحة من المعلومات. والنسق DjVu نوع من الملفات يفتح بواسطة برنامج يضاف إلى متصفح الانترنت.
أما قارئ الكتاب الالكتروني أو القارئ الرقمي هو جهاز إلكتروني يستخدم لعرض وقراءة البيانات (كتب، مستندات، صور..إلخ) التي تكون على صيغة إلكترونية مثل (PDF,Word DOC) والتي تسمى عادة بالكتب الإلكترونية. الجهاز يعتمد تقنية الورق الإلكتروني لكي يكون عرض المعلومات على الشاشة أقرب للورق الحقيقي وكذلك تساعد الجهاز على البقاء مدة طويلة دون الحاجة إلى طاقة.
كتاب إلكتروني كل دقيقتين
في الولايات المتحدة كانت المبيعات الرقمية تشكل نسبة 2 في المائة من سوق البيع التي تبلغ قيمتها 17 مليار دولار. وفي المملكة المتحدة، قالت شركة واترستون وهي قسم من مجموعة إتش إم في HMV الذي يسيطر على الكتب الرقمية، إنها كانت تبيع في الشهر الماضي كتاباً كل دقيقتين، وهو أمر يبدو مذهلاً ـ فيما عدا أنه يماثل 800, 262 سنوياً، أو نسبة 13 ,0 في المائة من جميع الكتب المباعة في المملكة المتحدة عام 2008.
أصل الكتابة العربية
ترجع بعض المصادر الإسلامية أصل الكتابة العربية إلى نبي الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وان أول من كتب بالعربية من قريش «حرب بن أمية بن عبد شمس» أخذها من بلاد الحيرة عن رجل يقال له «أسلم بن سدرة» وأقتبسها من «مرامرة بن مروة» وهو رجل من أهل الأنبار، فأصل الكتابة في العرب من الأنبار وكان لحمير كتابة يسمونها المسند.
وهي حروف متصلة غير منفصلة، وكانوا يمنعون العامة من تعلمها. وجميع كتابات الناس تنتهي إلى اثني عشر صنفا، وهي: العربية ـ الحميرية ـ اليونانية ـ الفارسية ـ الرومانية ـ العبرانية ـ الرومية ـ القبطية ـ البربرية ـ الهندية ـ الأندلسية ـ الصينية. وقد اندثر كثير منها وقليل من يعرف شيئا عنها.
وارد بدر السالم



