ثمة حركة قاعية، عمقية ثم استطالية، أفقية، وتوحد لا يُشَك في أمره، واستحالة الفصل بينهما من خلال نفاذ أسنان المنشار وسريان فعلها، وعبر نوعية الاستعمال، إذ ثمة المستقيم والمقوس والدائري، تبعاً لنطاق العمل وما يدخل في نطاقه هذا من مواد مختلفة.
لعل النظر في المنشار، وهو يمارس صدعاً وفصلاً في مادته، يتضمن جانباً لافتاً من الإيلام والطرافة معاً. إن حركته اليدوية أو الآلية تستند إلى مساواة لا يطعَن فيها، من ناحية الفعل، في الإقدام والإحجام، وهو يستجيب للقوة المودَعة فيه، من خلال طبيعته ومصدر صنعه والضغط اللازم، ليكون تبصرُه وهو ينشر متقدماً، كما هو إنجازه وهو ينشر متراجعاً.
إن رؤية المنشار لا تخلو من عنف لا يؤمَن جانبه، ومن علاقة مقرَّرة متفَّق عليها، حيث المنشار واحد، إنه هو نفسه، بذات الأسنان القادرة على النشر، وكيف أن الحركة التي تحثه على التقدم نازلاً في المادة الخشبية أو الحديدية وغيرهما، تكون في موقع خلفي، هي ذاتها الفالحة في أداء الفعل المطلوب لحظة القَطر إلى الخلف، ليكون المنشار مخلصاً لبنيته التركيبية ولسانه المزدوج والمسنن بمقاييس مختلفة، ونوعية السرعة المبذولة فيه. إن اسمه هو علامة تميزه والدال عليه، ويكون طوع أي يد تستطيع تفهمَ لغته حركةً وتحديد نوع حركة وتوقيفاً!
يعتمد المنشار هذا على آلية ضبط معينة في أداء مهمته، إنه خلاف شقيقته في القطع : السكين، فهذه تقطع اللحم، لأن لسانها المنساب بحدته في اللحم قبل سواه، أو في عملية الفرم، مثلاً، يقتضي خلوَّه من أي ثلم، وهنا يفترق المنشار عن السكين، إن انثلام الحد يعني خلط الأوصاف، يعني أن السكين داخلت المنشار في الوظيفة، رغم أن الثلم يتجه إلى الداخل، لكن التعدد الثلمي، يقرّب من صفة منشارية، والمنشار ذاته إذا تآكلت أسنانه مع الزمن، أو انمحت ينحدر إلى خانة تسمية سكينية. إن دقة الممارسة هي التي تبرز الفوارق، وتشدد على أهمية العمل بها.
ثمة حركة قاعية/ عمقية ثم استطالية/ أفقية، وتوحد لا يُشَك في أمره، واستحالة الفصل بينهما من خلال نفاذ أسنان المنشار وسريان فعلها، وعبر نوعية الاستعمال، إذ ثمة المستقيم والمقوس والدائري، تبعاً لنطاق العمل وما يدخل في نطاقه هذا من مواد مختلفة.
إنما في المجمل العام، يمكن لفت النظر إلى الحركة المركَّبة للأسنان المنشارية، وهي أنها تحدد نقاط عملها المشترك، وتحيل النقاط حفراً، ولاحقاً يأتي القطع، أي ما يخص فعل النفاذ عمقياً ومن ثم تسهيل القطع عبره.
لا قيمة للمنشار إذاً، إلا من خلال فعل النشر في الجهتين، وفي الحالتين: عمودياً وأفقياً، لهذا يتطلب دقة مركَّبة في التعامل معه، خلاف أي أداة قطعية أخرى، تكون أحادية، ومن خلال وساعة مهامه، كما في مسعى الفنان، الذي يضفي عليه بعداً من الحسية الفائقة، والعلاقة الذوقية المركَّزة، كلما تطلَّب العمل دقة وجماليات إبداع مع الخشب.
يمكن الحديث عن الانحراف أو التحريف في عمل المنشار، وتحميله بما لا يستطيع رده لأنه محكوم بالحركة الخارجية أو المودعة فيه، إن إيقاع حركته من خلال جنسية المعرَّف به، ينسّبه إلى خانة الأفعال الشاذة، من خلال خروجه عن خط عمله، ولكن «الشذوذ» ذاك منوط بالخارج، فهو مخلص لصفته بعيداً عن تقييم أخلاقي.
إن النظر إلى المنشار واستخداماته يجعله في دائرة الأعمال التي تتطلب تحكماً بالمسافة ودقة في التصويب، اعتماداً على وعي معتبَر، ونضج عضوي، لهذا يكون التالي على السكين، في التحكم بقبضته وتوجيهه، وكأننا إزاء حركة محراثية خاصة، ويظهر أن تاريخه جاء متأخراً من جهة الاكتشاف، بسبب ارتباطه بالاستقرار، واكتشاف الأدوات التي تلزم للوضع المستجد، عصر اكتشاف الحديد التالي على العصر الحجري، والحديث عن المنشار الكهربائي يضعنا في مواجهة العالم الأكثر جدة واحتواء بإنجازاته ومفارقات المنجز فيه قيمياً.
ذلك يقودنا إلى تنامي أدوار الخيال، وضروب التعبير اللغوية، والتنوع الهائل في العلاقات الاجتماعية، في عالمنا اللاحدودي، وما يمكن للمنشار أن يقوم به فعلياً، وما يقتبَس منه مجازياً، حيث العثور على اللسان المنشاري، وكذلك المسلك المنشاري، أو الشخصية المنشارية، عبر تداخل القيم مع بعضها بعضاً، وكيفية استهلاكها (أي نشرها)، بات يشكل المدار الواسع لأطياف المنشار وإيقاع حركته خارج الملموس، فيما بيننا هنا وهناك!
إنه فعل تركيبي أكثر تطوراً وليس تقدماً بالمعنى الذوقي والوجداني، لا يمكن الوقوف في وجهه، وهو ملخَّص في حركة لسانية نافذة، تحكمية، كما هو انفجار العالم الواحد بالمفاجآت، وهو يسهّل كثيراً عمل الساعين إلى تأكيد وجودهم البهلواني بطريقة منشارية، وربما يكونون مثار مدح، عبر نفاذ فعلهم والنشر على الملأ وفيهم أحياناً!
إبراهيم محمود
