هل ينبغي تصديق الصحافيين»؟ مثل هذا السؤال يأتي في سياق دقيق. فمن جهة هناك الأزمة الاقتصادية التي تواجهها جميع قطاعات النشاط في فرنسا ومن بينها قطاع الصحافة. ومن جهة أخرى هناك يعاني هذا القطاع من تضاؤل في بريق صورته لدى الرأي العام. ذلك بمعنى أن الفرنسيين تتناقص ثقتهم بما تقوله لهم الصحافة ومختلف وسائل الإعلام، بل ويتم اتهام الصحافة عامة أنها «موجّهة» وأنها تخدم مصالح قوى سياسية معينة.

لكن بالمقابل يتم التأكيد أيضا من قبل الصحافيين الثلاثة الذين يساهمون في هذا الكتاب، أن هامش الحرية في التعبير لم يكن أوسع مما هو عليه الآن، وبنفس الوقت لم يكن جمهور القرّاء والمستمعين والمشاهدين أكثر حرصا للاطلاع على ما يجري في فرنسا وفي العالم. وهذه المفارقة، بين تضاؤل الثقة بما يقوله الصحافيون وزيادة هامش الحرية تمثل أحد المحاور الأساسية في هذا الكتاب.

ويؤكد جان فرانسوا كان مؤسس مجلة «ماريان الأسبوعية» قوله: «إن الرقابة غدت أقل من قبل والصحافيون هم بالأحرى أفضل مما كان عليه الحال قبل 30 سنة». ولكن المشكلة تأتي، برأيه، من «نمط الفكر الوحيد الذي تحدده جميع إدارات التحرير في فرنسا. لقد أصبح الصحافيون كلهم يفكّرون على نفس المنوال».

ويضرب مثلا بالسلوك الذي أظهره الصحافيون حيال الاستفتاء العام على الدستور الأوروبي عام 2005. ويرى أن القراء سوف يصدّقون ما يقوله لهم الصحافيون عندما يقبل هؤلاء العودة عن أخطائهم ويتوقفون عن القيام بلعبة مزدوجة وذلك بتصريحهم مثلا بالمرشح الذي سوف يقترعون له بدلا من الاختباء خلف موضوعية مزعومة. ويسوق في هذا الإطار حديثا كان جرى بينه وبين الصحافية «مارتين بيغار» قالت له فيه: «أنا لا أدافع عن ساركوزي، لكنني أقوم بالعمل الموضوعي المطلوب من الصحافي». وبعد أيام قليلة أصبحت مستشارة لدى الرئيس بعد انتخابه.

ويشير جان فرانسوا كان إلى وجود ثلاثة صحف يومية وطنية تمثل الرأي في فرنسا. والصحافيون أحرار ومستقلون. لكن «هؤلاء الصحافيين الأحرار المستقلّين يميلون جميعهم لقول الشيء نفسه». ويعيد هذا إلى «خروجهم من نفس الوسط ومن نفس المدارس وعرفوا نفس المسار السياسي».

وبدون أي تنسيق منظم بينهم تبنّوا نوعا من «المزيج» اللبرالي على الصعيد الاجتماعي وعلى الصعيد الأخلاقي، ذلك على أساس أنهم ينتمون إلى الحداثة وإلى والتيار «التقدمي». ويقول «فرنسوا كان» عن تجربته: «بدأت عند شبابي تحت لواء اليسار المتطرف. ومرت السنوات فتحوّلت، باسم الحداثة، إلى المبدأ اللبرالي الجديد».

من جهة أخرى يزعم الصحافيون، خطأ، أنهم حياديون. و«لكن العكس تماما هو الحاصل»، كما يؤكد جان فرانسوا كان.

ويشير في هذا السياق إلى أن صحيفة «لوفيغارو» تمثل رأيا يمينيا محافظا.

ولا يتردد في القول: «لوفيغارو اليوم هي مثل البرافدا ؟ السوفييتية أي صحيفة رأي تحت ضغط قصر الاليزيه وربما تحت ضغط قارئيها أيضا».

لكنه يضيف: «وهي مع ذلك جيدة من حيث كما المعلومات الذي تقدمه (...). لكن الافتتاحية وعناوين الصفحة الأولى والصفحات الداخلية واستطلاعات الرأي فهي كلها ملتزمة بشكل كاريكاتوري».

ويشير بلينل إلى الخطر الذي تمثله «الصحافة الصناعة»، وذلك بمعنى تلك التي لا تقبل أن تخضع لمصالح غريبة خارجية ـ عن الصحافة ذلك أنه مع مثل هذه الصحافة تنتفي الحدود، بل وتغيب بين مهنة الإعلام وبين المصالح التي لا علاقة لها أبدا مع الإعلام وسماتها وقيمتها، بل أنها تقلل من شأن هذه المهنة.

ذلك أن الصحافة الصناعية تخلط بين جميع المصالح ويفقد الصحافي خصوصياته. ويتم التفريق في هذا السياق بين الصناعيين «الغرباء» عن مهنة الإعلام والصناعيين الإعلاميين. هؤلاء يحترمون مهنة الصحافي، أما أولئك فإنهم يرون في الإعلام وسيلة وجاهة إضافية أو ملحقة لزيادة النفوذ.

ويدافع سيرج جولي، رئيس تحرير صحيفة ليبراسيون، عن الممارسة العامة للصحافيين،

ويعود كثيرا إلى السيرة المهنية لصحيفته وإلى الطريقة التي عالجت فيها قضية انتحار رئيس وزراء فرنسا الأسبق بيريغوفوا، أو الكشف عن وجود «مازارين» الابنة الشرعية لفرانسوا ميتيران، الرئيس الفرنسي الأسبق.

ويرى أن الصحيفة «أثبتت بنفس الوقت الحذر والثقة حيال نظيراتها.

ثم أضاف: «في زمن يتم فيه تقديم كل شيء بشكل تقريبي، لم نكن في أي يوم من الأيام أكثر حاجة إلى الصحافيين بالمعنى الكامل للكلمة. صحافيون قادرون على وضع الأشياء في موضعها الصحيح».

المساهمون في سطور

المساهمون الثلاثة في هذا الكتاب هم جان فرانسوا كان، مؤسس مجلة ماريان الأسبوعية وصاحب ما يزيد عن 20 كتابا، وسيرج جولي، رئيس تحرير صحيفة «ليبيراسيون»، وايدي بلينل، الذي عمل لسنوات في صحيفة لوموند، وأحد أبرز الصحافيين الفرنسيين. والحوارات الثلاثة مع هؤلاء أجراها الصحافي فيليب غافي.

الكتاب: هل ينبغي تصديق الصحافيين؟

تأليف: جان فرانسوا كان وآخرون

الناشر: مورديكوس باريس 2009

الصفحات: 166 صفحة

القطع: الصغير

Faut-il croire les journalistes ?

Jean-François Kahn et

Mordicus - Paris 2009

166P