«بين أوروبا والمتوسط» هو كتاب جماعي يشارك فيه مؤرخون وعلماء اجتماع ومفكرون سياسيون وأخصائيون بالمسألة السكانية (الديموغرافيا). وهم ينتمون إلى مشارب متعددة، لكنهم يبحثون جميعا، كل من وجهة نظر ميدان اختصاصه، التحديات الرئيسية والمخاوف التي صاغت إلى حد كبير العلاقات بين أوروبا وبلدان جنوب البحر المتوسط.
وتتركز محاور الكتاب حول التحديات التي تطرحها خاصة الديموغرافيا من حيث التطور «المتعاكس» بين ضفتي البحر المتوسط، ففي شماله تعرف البلدان الأوروبية عامة انحسارا في عدد سكانها ومثل هذا التوجه سوف يتعزز، كما تدل مؤشرات عديدة ، بينما تشهد بلدان جنوب المتوسط عامة زيادة هامة في عدد السكان ولا شيء يسمح بالقول أن مثل هذا التوجه لن يستمر في أغلبية البلدان المعنية.
وبالتالي تؤكد مساهمات هذا الكتاب أن الهجرة من بلدان جنوب المتوسط باتجاه بلدان شماله سوف تتعاظم هي الأخرى في الفترة القادمة.
وما يؤكده تييري فابر، أحد المشرفين على إنجاز هذا العمل، هو أنه: «ليست هناك استحالة للقاء بين أوروبا والعالم الإسلامي، المطلوب هو الخروج من أشكال الخوف المشترك».
وبدون أية مواربة يقول أن أوروبا أصبحت قلعة تخاف من بلدان جنوبها ومن الإسلام فيها وبالتالي تنغلق أكثر فأكثر على نفسها.
تتوزع مساهمات الكتاب التي يبلغ عددها 15 مساهمة بين أربعة أقسام رئيسية يحمل الأول منها عنوان «تحديات الديموغرافيا والهجرة» والثاني: «تحديات الهوية والثقافات»، وقسم ثالث عنوانه: «التحديات السياسية» والقسم الأخير: «الواقع الجيوسياسي والإجابات الدستورية».
ومن الأفكار التي تتردد في معظم مساهمات هذا الكتاب القول أنه أمام مناخ الحرب والتوترات والتهديدات التي يشهدها العالم في السياق الراهن والتي زادت منها الحرب الأميركية ـ الانكليزية على العراق، زاد بنفس الوقت مناخ الخوف أو الحذر المتبادل بين ضفتي البحر المتوسط.
إن الترجمة الأكبر لمثل هذا المناخ من الخوف تمثّلت في إقامة حواجز جديدة بين الشمال والجنوب بعد أن انهار جدار برلين ومعه الستار الحديدي الذي قسم القارة خلال عقود طويلة إلى معسكرين يشكّل كل منهما تهديدا للآخر على خلفية مشروعين متباينين للمجتمع. إن حوض البحر المتوسط هو الذي عرف «إقامة جدار» بين شماله وجنوبه.
وتركّز عدد من مساهمات هذا الكتاب على فكرة مفادها أن الهجرة من جنوب البحر الأبيض المتوسط نحو شماله ليست مرشحة للتوقف في السنوات أو العقود المقبلة.
ذلك أن المسألة متعلقة بالتنمية في بلدان الجنوب. فطالما هناك أزمة بطالة وغياب لفرص العمل في هذه البلدان سيحاول عدد كبير من شبابها عبور البحر بشتّى الوسائل أو الدخول من أية نقطة حدودية بحثا عن تحسين مستوى معيشتهم.
أما التحديات السياسية فتجد أهمها في علاقة تركيا مع أوروبا. و«هل تركيا هي جزء من أوروبا أم هي خارجها»؟ كما جاء في سؤال تتم محاولة الإجابة عليه في مساهمة كاملة. ويتم التأكيد هنا أن العقبتين الكبيرتين في انضمام تركيا إلى أوروبا تتمثلان في وزنها الديمغرافي، وهذا ما يقال صراحة، وفي واقع أنها دولة إسلامية كبيرة يرى فيها جزء هام من الرأي العام الأوروبي تهديدا لهويته.
ويبقى السؤال الأهم على الصعيد الجيوسياسي في العلاقة بين أوروبا وجنوب المتوسط هو: إلى أي مدى يمكن أن تصل الشراكة بين الطرفين؟ ذلك أن حدود مثل هذه «الشراكة» لا تزال مبهمة.
ويتم التركيز في هذا الإطار على القول أنها تمرّ في أزمة حقيقية وأنه لا بد من البحث عن «سيناريوهات» جديدة، بل و«إعادة صياغة» كما يشرح تييري فابر، المشرف على هذا الكتاب، في آخر مساهمة فيه.
في المحصلة النهائية تُجمع مساهمات هذا الكتاب على القول أن التحدّي الأكبر أمام أوروبا والمتوسط في السياق الراهن ليس قيام أوروبا دون المتوسط ولكن قيامها «معه».
المشرفان في سطور
المشرفان على إنجاز هذا الكتاب هما تييري فابر، الأستاذ في جامعة مرسيليا، وهو كاتب وباحث فرنسي ومؤسس «ملتقيات ابن رشد»، وبول سانت كاسيا، الأستاذ في جامعة دورهام ببريطانيا.
الكتاب : بين أوروبا وحوض المتوسط
تأليف: تييري فابربول سانت كاسيا وآخرون
الناشر: بلغراف مكميلان لندن 2008
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
Between Europe and Mediterranean
Thierry Fabre, Paul Saint Cassia and
Pelgrave Macmillan London - 2008
256P
