يطرح الباحث مارك روسيه في كتابه «أوروبا الجديدة» مجموعة من الأسئلة مثل: هل نحن ـ يقصد الأوروبيين ـ مواطنين أطلسيين أم مواطنين أوروبيين؟ ولماذا ينبغي على الأوروبيين أن ينخرطوا في أي مجموع تقوده واشنطن في القرن الحادي والعشرين؟
ومما يقوله عن «أوروبا الجديدة» في إجاباته هو أنها لا تمتد من واشنطن إلى بروكسل ولكن من برست، على الشاطئ الأوروبي للمحيط الأطلسي، وحتى فلاديفوستك الروسية. ولا يتردد أيضا في القول أن «روسيا أوروبية» كما أثبتت عندما فقدت 25 مليون من أبنائها في الحربين العالميتين اللتين شهدهما القرن العشرين وصاغوا بذلك إلى درجة كبيرة المصير الأوروبي الراهن.ويذهب روسيه في سياق التأكيد على وحدة «باريس- برلين- موسكو» إلى حد القول أنه إذا كانت الكاثوليكية والأرثوذكسية تمثلان «رئتي الكنيسة، فإنهما تمثلان أيضا «رئتي» أوروبا. ذلك على أساس أن الكاثوليكية هي السائدة في روسيا. كذلك يتم التأكيد أيضا أن سيبيريا ستكون الرهان الإستراتيجي في القرن الحادي والعشرين، وذلك فيما يتعلق بالسيطرة عليها من قبل «أوروبا الكبرى» أو من قبل الصين.
ويطرح مارك روسيه أفكاره في هذا الكتاب عبر عدّة محاور يتمثل أهمها في القول أن تحالف أوروبا مع أوروبا قوبل بتحديات أطلقتها بريطانيا وإدارة باراك أوباما، وفي التعرّض لمسألة الهجرة والعامل الديموغرافي، وفي التحديات الإستراتيجية خاصة في آسيا الوسطى وفي منطقة القوقاز.
ومن المحاور الأساسية التي يوليها المؤلف اهتمامه المسألة اللغوية في أوروبا، وذلك من زاوية النظر إليها كرد على مشروع الهيمنة اللغوي الإنكليزي-الأميركي وفي منظور جعل أوروبا «ملحقة» بأميركا. هذا في الوقت الذي تقتضي فيه مصالحها السياسية والثقافية والاقتصادية التوحّد مع روسيا في إطار مجال جغرافي واسع يغطي القسم الأكبر من القارة الأوروبية.
ويرى مارك روسيه أن الإمبراطورية الأميركية ليست مجرّد عامل تقسيم لأوروبا فحسب، ولكنها أيضا بمثابة «سمّ» حقيقي يتم بثّه في الروح الأوروبية. ذلك أن موقف الولايات المتحدة حيال أوروبا قد خضع دائما لنفس المبادئ التي يتم تلخيصها بتأييد أوروبا كمنطقة تبادل تجاري حرّ ولكن معارضة بروزها كمنافس أو قوة مقابلة يمكنها أن تصبح عنصرا فاعلا «كامل الأهلية» على المسرح العالمي.
ومن الأخطار الكبرى التي يرى المؤلف أنها ترتسم في الأفق التحدي الديموغرافي ذلك أن روسيا تفقد ثلث سكانها في أفق أقل من 40 سنة قادمة. وهذا سوف يُحدث فراغا ستعمل الصين على أن تشغله من خلال منغوليا أولا ثم عبر سيبيريا الشاسعة.
وبالتوازي مع مشكلة النقص السكاني في البلدان الأوروبية ستتعاظم ظاهرة الهجرة. ويشرح المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب أن الهجرة سوف تطرح مشاكل حقيقية على أوروبا في أفق عام 2050، ذلك أن نسبة 50 بالمائة من الولادات في مختلف بلدان القارة ستكون من أصول مهاجرة «غير أوروبية».
وفي المحصلة تتمثل الرسالة الأساسية في هذا الكتاب بالقول أن المحاولة الأميركية-البريطانية (الانكلوسكسونية) لإقامة نظام عالمي «لا ثقافي» و«لا اجتماعي» قد فشلت، وبالتالي يلوح في الأفق تهديد العودة إلى مستنقع «صدام الثقافات» الذي يشكل أرضا خصبة من أجل اشتعال الحروب الأهلية.
الكتاب : أوروبا الجديدة، باريس- برلين موسكو
تأليف: مارك روسيه
الناشر: غودفروا دوبويون باريس 2009
الصفحات: 540 صفحة
القطع: المتوسط
La nouvelle Europe, ParisBerlin-Moscou
Marc Rousset
Godefroy De Bouillon Paris 2009
540P .

