لعلّ كتاب «غابرييل غارسيا ماركيز: سيرة حياة» هو أول عمل متكامل عن سيرة حياة الأديب الكولومبي الكبير الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 1982.
ومن التوصيفات التي يطلقها المؤلف جيرالد مارتن عليه هو أنه يجسّد بنفس الوقت الواقعية السحرية والالتزام الثوري، وتمزج أعماله الروائية وقصصه القصيرة بين التاريخ الأميركي الجنوبي والتراث الشعبي ؟ الفولكلور والأساطير الشعبية. كما أنه أحد أفضل الذين كشفوا عن عمق أشكال اللامساواة الاجتماعية والزيف الأخلاقي.ويركز جيرالد مارتن على جوانب غير تلك المعروفة التي يجسّدها أدبه. وهكذا يتحدث عن الصعوبات التي واجهها دائما في التوفيق بين الشهرة التي وصل إليها وجعلته نجما حقيقيا وبين الصفة الأدبية التي يفضّلها، وبين السياسة التي تمس حياته الشخصية والمواضيع التي يتعرض إليها والكتابة التي تمثل «علّة حياته». كذلك يتحدث المؤلف عن علاقة غارسيا ماركيز بالسلطة والوحدة «مائة عام من العزلة» والحب، في جميع ما كتب.
وعن «مائة عام من العزلة» يقول المؤلف أنها أمّنت لصاحبها الشهرة والثروة «غير المنتظرة» بنفس الوقت. وهذه الجوانب كلها في شخصية غارسيا ماركيز يقدّمها جيرالد مارتن كحصيلة 17 سنة من البحث ومن المعرفة الشخصية ب«بطله» وبالجو المحيط فيه. هذا فضلا عن اعتماده على كمٍ كبير من المصادر. وفي المحصلة يمكن القول أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على أي كاتب آخر لسيرة غارسيا ماركيز أن يقدم مثلها.
ومن السمات التي يؤكدها المؤلف بالنسبة لغابرييل غارسيا ماركيز هو أن خياله الإبداعي يعتمد كثيرا على الواقع، وأن مادته الأساسية تتمثل في واقع حياة الناس في منطقة الكاريبي.
وهي تقترب من السياسة لكن ليس على شاكلة الأدب الأميركي-اللاتيني حتى سنوات الستينات المنصرمة والذي كان يتم التركيز فيه على الجانب السياسي فقط أما ماركيز فقد أولى انتباهه أيضا للجانب الفني أثناء كتابته.
ويصف المؤلف غارسيا ماركيز أنه ذلك الذي «أراد أن يصبح سرفانتس»، أي الكاتب الاسباني صاحب رواية «دوكيخوتة» الخالدة.
لكن لم تكن مهمة كتابة سيرة حياته سهلة، ذلك أن حياته كانت «تتغيّر بين الأبيض والأسود» تبعا لمزاجه اللحظي وأنه يلعب باستمرار مع محدثيه لعبة لا تكون مكشوفة إلا في بعض جوانبها، لأنه مجموعة وجوه لعبقرية واحدة.
وللخروج من هذا المأزق الغامض، «كان لا بد من أن أحافظ باستمرار معه على أسلوب الحديث والحوار المباشر، ذلك أن غارسيا ماركيز يمقت البشر المتزمتين في منهجهم. إنهم يثيرون سأمه. وكنت بعد ذلك أقوم بالتحقق من كل ما قاله، وحتى الروايات المتعددة لتصريحاته من أجل الوصول إلى الرواية الجيدة، أو بالأحرى تلك التي كانت تبدو لي الأقل شططا»، كما نقرأ.
ومن الملاحظات التي يسوقها جيرالد مارتن قوله إن غابرييل غارسيا ماركيز أجاب عن السؤال الوحيد الجوهري التالي: كيف يبني الإنسان نفسه؟
ويرى المؤلف أن معرفة جيدة بماركيز تتطلّب العودة إلى شمال كولومبيا، حيث وُلد عام 1928، وحيث تخلّت عنه والدته وهو في الثانية من عمره ليقوم جدّه وجدته بتربيته.
جده نيكولا ماركيز الصائغ، وبطل حرب الألف يوم، هو الذي أصبح الكولونيل اورليانو بوينديا في رواية «مائة عام من العزلة» وكان غابرييل يكن حبّا كبيرا لجده وصل إلى درجة «التقديس» تقريبا.
ومن السمات التي يؤكد عليها المؤلف في سيرة حياة ماركيز هو أنه لم يتنكّر أبدا لتوجهاته الشيوعية، وأنه كان صديقا لفيدل كاسترو مما أثار غضب كتّاب أميركا الجنوبية.
وأنه تلقى ذات يوم صفعة من الكاتب ماريو فارغاس لوسا، وحبه منذ 60 سنة لزوجته «مرسيدس» التي يعيش معها في المكسيك، بعيدا عن منطقته الأصلية في ماكوندو وعن أشباحها.
المؤلف في سطور
جيرالد مارتن ناقد أدبي أميركي، مختص بأدب أميركا اللاتينية، وخاصة بأعمال الأديب الغواتيمالي انجيل استوريس والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، الحاصلين كليهما على جائزة نوبل للأدب. ويعمل المؤلف أستاذا للأدب الحديث في جامعة بيتسبورغ ، من مؤلفاته: «رحلات في الدهليز: الأدب الإبداعي الأميركي-اللاتيني في القرن العشرين».
الكتاب: غابرييل غارسيا ماركيز، سيرة حياة
تأليف: جيرالد مارتن
الناشر: بلومسبري بوبليشسنغ نيويورك 2008
الصفحات: 688 صفحة
القطع: المتوسط
Gabriel Garcia Marquez, a life
Gerald Martin
Bloomsbury Publishing
New York 2008
688P.

