أمضى ادولفو كامينسكي 30 سنة من حياته وهو يقوم بتزوير الأوراق والوثائق الرسمية ، ومؤلفة هذا الكتاب هي ابنته سارا التي قررت أن تكتب سيرة حياة والدها «ادولف كامينسكي، حياة مزوّر وثائق»، كما يقول العنوان.وهذا هو الكتاب الأول عن هذه الشخصية الغريبة التي شكّلت موضوع تحقيق تلفزيوني تحت عنوان «الهوية الخارجية».

ونفهم من سيرته أنه من مواليد الأرجنتين عام 1925 ثم هاجر مع أسرته إلى فرنسا عام 1932 وفي عمر السابعة عشرة انضمّ إلى المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي حيث وضع خبراته في ميدان الكيمياء تحت تصرّف مختبر سرّي لفبركة الوثائق المزوّرة من كل نوع. وكان قد عمل بعد التحرير فترة قصيرة من الزمن مع الأجهزة السريّة الفرنسية، لكنه تركها بسرعة مع بداية الحرب في الهند الصينية التي كان يعارضها كحرب استعمارية.وتنقل المؤلفة عن والدها قوله «ينبغي البقاء مستيقظا أطول وقت ممكن، والنضال ضد النعاس.ذلك أن الحساب بسيط.ففي خلال ساعة واحدة أستطيع إنجاز ـ فبركة ـ ثلاثين وثيقة.

وإذا نمت ساعة أكثر فهذا يعني أن ثلاثين شخصا يواجهون خطر الموت».ولم يكن يدرك في البداية إلى أين سوف يؤدي به تزوير الوثائق، لكنه كان قد التزم بذلك الطريق. وكان منذ مراهقته، بل ومنذ الطفولة، يهتم بكل ما يتعلّق بالكيمياء والحبر والصباغة.وبعد أن عمل لفترة كعامل بسيط انتقل إلى ميدان التزوير. لم يكن مزوّرا متواضعا ولكن مزوّرا محترفا أنتج كميات ضخمة من الأوراق المزوّرة. وكانت أولى بطاقات الهويّة التي أعدّها مكرّسة للمقاومين الفرنسيين ضد الاحتلال النازي».

لقد كان «مزوّرا» بارعا كما تصفه ابنته ـ المؤلفة، وقد توصّل إلى تزوير «ما لا يمكن تزويره». ولكن أيضا كما يقول هو أيضا عن نفسه. ويفسر ذلك بواقع أنه «ليس هناك أي حبر لا يمكن محوّه، وليس هناك وثيقة لا تمكن إعادة إنتاجها. وقد قلت لنفسي دائما أن ما فعله إنسان ما يمكن لآخر أن يعيد فعله».

كان كامينسكي يعمل مصوّرا في النهار ومزوّرا للوثائق في الليل. ولم يكن يفعل أي شيء آخر.بهذا المعنى لم تكن له حياة خاصّة. بل نذر كل وقته لـ «العمل العام». وعلى صعيد التحصيل العلمي لم يكن قد تجاوز الدراسة الإعدادية، لكن ذلك لم يمنع واقع أن المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي يطلي استشارته حول بعض المشاكل المتعلّقة بالحبر.

أولئك الذين ساعدهم ادولفو كامينسكي وأنقذ الكثير منهم هم أيضا من الجزائريين، أعضاء جبهة التحرير الوطني الجزائرية حيث عمل خلال سنوات الستينات كـ «صانع للوثائق» لصالح شبكات هنري كورييل، اليهودي الشيوعي المصري الأصل الذي دعم بقوّة مناضلي جبهة التحرير طيلة فترة الثورة الجزائرية.لكن كامينسكي يحرص على القول: إنني لم أكن أبدا عضوا في أي حزب. كنت أريد الاحتفاظ بحريتي وفي أن أقول كلاّ، خاصة عندما يتم القيام بعمليات إرهابية. إنني لم أكن ضد فرنسا، لكنني كنت ضد التعذيب».

وصنع ادولفو كامينسكي أوراقا مزوّرة لمناضلي حركات التحرر في أميركا الجنوبية ولمناهضي التمييز العنصري في جنوب إفريقيا عندما كان يخيّم عليها نظام «الابرتهايد» الذي أقامته الأقلية البيضاء التي حكمت البلاد والعباد لفترة طويلة ؛ ولصالح جمهوريين أسبان كانوا قد وقفوا ضد دكتاتورية فرانكو؛ ولمعارضين للجنرالات الذين أقاموا حكما عسكريا في البرتغال واليونان، وليهود كان النظام النازي يريد إرسالهم إلى معسكرات الاعتقال.

وتشرح المؤلفة أنه عندما أصبح والدها خبيرا في تزوير الوثائق، وتحديدا من أجل تزويد المقاومين الفرنسيين للاحتلال النازي بوثائق مزوّرة كي لا يقعوا بيد الأجهزة الألمانية وعلى رأسها الغستابو، لم يكن يدرك أنه كان قد دخل في سباق مع الزمن حيث كان لكل دقيقة ثمنها.

وما تؤكّده سارا هو أن ادولفو كامينسكي انخرط لفترة ثلاثة عقود كاملة في عملية تزوير الوثائق. وخدم دون كلل ولا تردد العديد من القضايا التي اقتنع بعدالتها في جميع أصقاع الأرض.

لقد حلم ادولفو كامينسكي أن يكون مناضلا من أجل السلام في العالم، لكنه وجد نفسه في خدمة الكثير من المعارك. بكل الحالات يقول عن نفسه:« إن صحيفة سوابقي ـ سجلّه العدلي ـ عذراء».

المؤلفة في سطور

المؤلفة سارا كامينسكي من مواليد الجزائر عام 1979، لكنها تعيش في فرنسا منذ طفولتها الأولى.تعمل في ميدان التمثيل وتساهم في كتابة السيناريوهات.هذا هو كتابها الأول.

الحاجة ليست دافعا

أن عمليات تزوير الوثائق التي كان يقوم فيها ادولفك كامينسكي لم تكن بدافع الحاجة أو سعيا وراء كسب مبالغ كبيرة من المال.ولكن كان على خلفية موقف في العالم. وكان قد وضع حدا نهائيا لعمله كـ «مزوّر وثائق» عام 1971 قائلا: «لقد تغيّرت الحقبة وتضخّم الحديث عن المال فأوقفت نشاطي».

الكتاب: ادولفو كامينسكي حياة مزوّر وثائق

تأليف: سارا كامينسكي

الناشر: كالمان ليفي باريس 2009

الصفحات: 240 صفحة

القطع: المتوسط

Adolfo Kaminski, une vie de faussaire

Sara Kaminski

Calman levy -Paris 2009

Calma