عبر روايته السابعة «خطيئة موروثة» الصادرة حديثاً يؤكد الروائي الأميركي توماس بينشون أنه لم يفقد لمسته الساحرة في استحضار أجواء كاليفورنيا في أواخر الستينات وأوائل السبعينات.

والواقع أنه أياً كانت الساحات التي ينقلنا إليها بينشون في رواياته الملحمية، فإن آلية الحركة الداخلية التي يعتمدها تواصل الدوران في أماكن وفترات معينة، فنحن دوماً أمام كاليفورنيا التي تضع موضع التطبيق فكرة المجتمع العظيم، أي كاليفورنيا كما عاش فيها بينشون في العشرينات والثلاثينات من عمره.

وفي هذا الإطار، فإن المرء يرصد في روايته «خطيئة موروثة» شعوراً يستدعي إلى الذاكرة حداد مارسيل بروست وحزنه على أن «الشوارع والجادات، ياللحسرة، تبدو هاربة مثلما السنين». ولوس أنجليس ذلك العهد لا يتم إبداعها من جديد بمزيد من الحب فحسب، وإنما يعاد تطويرها بمزيد من الحماس على أنها المدينة التي تغمرها شمس لا متناهية غارقة في ذهول المخدر.

وبينشون يطل علينا بالشخصية المناسبة لإرسالها إلى تلك الشوارع الهاربة في تلك السنين اللائذة بالفرار، والمتمثلة في التحري دوك سبورتيلو، الذي يبدو أن انتباهه الغائب ظاهرياً إلى تلك الأنماط من الناس التي تملأ العالم الذي صاغه بينشون هو ما يجعل كل شيء يتحرك.ومن المؤكد أن هناك قصة تروى، فمهمة دوك الرئيسية، في البداية، هي أن يساعد صديقته القديمة شاستا فاي على حماية حبيبها الحالي، مطور العقارات الشهير ميكي ولفمان من زوجته وحبيبها.

وفي وقت لاحق نجد أن مهمته هي اكتشاف هوية من قاموا باختطاف ميكي ومكان احتجازه، ثم معرفة مكان وجود شاستا نفسها، بينما يقوم في الوقت نفسه بمساعدة موسيقي يدعى كوى هارلنجين على البحث عن زوجته وابنه وربما مساعدته على التملص من مخالب فرقة موسيقية تحمل اسم «بوردز».وبالطبع، فإن عملاء التحري دوك ليسوا إلا البداية، ففي وسط هذا كله نحن على موعد مع عدد كبير من الشخصيات.

وقراء بينشون يعرفون أن الحبكة الهائلة، وربما الخارجة عن مقتضى الحال، ليست أهم ما سنجده عبر صفحات روايته، فهم لا يريدون ردوداً وإجابات ولا يريدون قصصاً خلفية تفسر ما يطرح عليهم، ولا يسعون وراء تطور الشخصية وتطهرها.

وإنما هم يريدون اهتمام بينشون الذي لا نظير له بنغميات جملة ما تجمع بين الغنائية والسخرية اللاذعة وإحساسه الذي لا يعرف التراجع بالصورة الكاريكاتيرية التي يندفع المرح الذي تثيره إلى ما وراء ما هو عبثي، والانطلاق إلى الإعلان مراراً وتكراراً عن العالم الموازي الذي قد نتخيله موجوداً في الوقت نفسه مع العالم اليومي الذي نقطنه.

إذا كان مصدر القوة الرئيسي لرواية «خطيئة موروثة» هو إحساسها الخاص بالزمان والمكان، فإن هذا يدعمه كونها الرواية السابعة بعد روايته السادسة التي تركز على شخصية واحدة.

وعلى الرغم من نقاط القوة العديدة في هذا العمل، فإنه لا يخلو من نقاط ضعف يمكن لعشاق أدب بينشون رصدها بوضوح وربما بسهولة.

أولى نقاط الضعف هذه هي ذلك الولع الشديد بالاستغراق في المرحلة التي تصورها الرواية، فنحن هنا أمام التشديد على «أن تكون شاباً في ذلك العهد هو النعمة ذاتها»، وهو طرح لا يسخر منه بينشون ولا ينتقده، وإنما يطرحه مراراً وتكراراً كأنه يتغنى بأغنية عذبة لا تفارقه. و«خطيئة موروثة» أيضاً تبدو يها ملامح الحياة السياسية كنتاج معلب يعاد استحضاره بعد مرور وقت صلاحيته، والمؤلف يقوم بكل الخطوات التي يمكن التنبؤ بها حول من هم الأشرار حقاً، من دون أن يقدم لنا الكثير من الأمل حول الأخيار.

وقد سبقت لنا الإشارة إلى عيوب الحبكة في الرواية، وفي صدارتها الترهل وعدم ملاءمة الحبكات الفرعية، وهي عيوب يبدو من الواضح أن بينشون يدركها، لكنه لا يكترث بها على الإطلاق.

وهناك، أخيراً، تلك الرؤية المزدوجة الغريبة، التي ربما يلمحها القراء في جميع أعمال بينشون بلا استثناء تقريباً، والتي يشهد فيها الماضي والحاضر أحدهما على الآخر، واضعاً إياها في وضعية الحقيقة، وهو ما لا يمكن لأي منهما انجازه من تلقاء ذاته.

وعلى الرغم من الإشادة واسعة النطاق التي حظيت بها الرواية من النقاد والقراء، إلا أن بعض القراء من عشاق أدب بينشون ربما يساورهم الشعور بأنه على الرغم من أن الرواية تتمتع بأداء أشد تماسكاً بكثير من نظيره في رواية بينشون «إزاء النهار» إلا أن الرواية السابعة قد تبدو أقرب إلى صيغة من الرسوم الكلاسيكية من رواية بينشون منها إلى رواية متكاملة من إبداعه.

وعلى الرغم من أن هذا الانتقاد الأخير للرواية قد يبدو قاسياً إلى حد كبير، إلا أنه يبدو أيضاً مبرراً، عندما ندرك إلى أي حد تقلص الرواية التعقيدات التي سبق لنا أن رأيناها في روايتيه «في» و«قوس قزح الجاذبية» ومقابلتهما بين النزعة العدمية ونظرية المؤامرة وكذلك بين الفوضى الديونيزية والمنطق الأبولوي، بين الحرية الفوضوية وآلية لاسلطة.

ويلفت نظرنا حقاً أن عظام هذه الرواية، شأن العديد من أعمال بينشون، لا تنتظر إلا لمسات محدود من يد كاتب سيناريو بارع لكي تتحول إلى فيلم شديد الجاذبية، فها هنا البطل التحري المثير للتعاطف وقوة الدفع المفعمة بالتشويق والمشاهد الموحية بلا انتهاء والحشد المدهش من الشخصيات الذي ينتظر الحد الأدنى من الإضافات لينطلق زحاماً من الشخصيات الحية ذات الأبعاد الثلاثية.

ومن هنا ليس غريباً أن تختتم مجلة «رولينغ ستون» عرضاً مطولاً لهذه الرواية بالقول: «إنها أكثر الروايات التي ألفها بينشون طرافة، وهي أيضاً اختصار مجنون وباهر لكي ما يجعله صوتاً أميركياً فريداً.

وهي تحتوي الغضب الأخلاقي الذي تنطلق به أعماله منذ البداية».وتقول مجلة «نيوزويك» عن هذه الرواية: «نثر بينشون شديد الاتسام باللهجة المحلية على نحو عفوي والتعمق في الأصول الأميركية إلى حد أنك تنسى أن هناك شخصاً قام بتأليفه.

والرواية تعطي الإحساس بالعفوية البالغة مثل سلاسل من مقطوعات الجاز الفردية والحوارات مبنية حول تلاعبات لغوية بالغة البساطة».

وترى مجلة «أو» أن: «قراءة بينشون مجدد تجعل المرء يتذكر أن الرواية يمكن أن توضح عملية الإمساك بأطراف العالم على نحو ما يبدو أنه عليه، كما يمكن أيضاً أن تغيره برؤيته بطرق جديدة.

وبينشون ساحر في هذه الفئة الثانية، فهو يطبق اللغة على ما نعرفه وما غاب مضفياً شكلاً جديداً على الأمرين كليهما».

وتختتم صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عرضها للرواية بتساؤل شديد الإيجاز والبلاغة معاً: «إلى أي حد يمكن للمرء أن يصل في التعمق في أغوار السواد؟».

ونظل في نهاية المطاف أمام رواية تنتمي إلى نوعية فريدة ونادرة من العطاء في إطار الأدب الأميركي، وهو أمر يذكرنا بحقيقة محزنة، وهي أنه من بين روايات بينشون السبع ومجموعاته القصصية الخمس ومجلديه اللذين يضمان مقالاته لم يترجم عمل واحد إلى اللغة العربية، ولا يبدو أن الأفق يحمل وعداً بالانجاز في المستقبل في هذا المجال.

لا مطر في الخارج

«في مجمعات الشقق السكنية الصغيرة، تدلف الريح مقتربة من إطلاق الزفيف في المناور والمماشي، ويرتطم سعف النخيل في الخارج بعضه بالبعض الآخر محدثاً صوتاً يشبه خرير تدفق سائل، بحيث إنه من الداخل، في الغرف المعتمة، يبدو الأمر كما لو أن عاصفة مطيرة تهب، وتدمدم الريح في قلب الهندسة الإسمنتية، ويرتطم السعف مطلقاً صوت انهمار مطر استوائي، على نحو يكفي لدفعك إلى فتح الباب والإطلال إلى الخارج، وبالطبع لن يكون هناك إلا عمق النهار ذاته المجرد من السحب، ولن يلوح للعيان مطر».

الكتاب: خطيئة موروثة

تأليف: توماس بينشون

الناشر: بنغوين برس نيويورك2009

الصفحات : 369 صفحة

القطع: المتوسط

Inherent Vice

Thomas Pynchon

The Penguin Press,

N.Y. 2009

369P.