يحاول علي عبدالله الجباوي في كتابه «علم خصائص الشعوب «علم الأقوام» أن يصوغ فكرة عن طبيعة ما يسمى بـ الأثنولوجيا أو علم النياسة، ليبين لنا أنه العلم الذي يهتم بدراسة النظم السياسية والاقتصادية والمعتقدات والفنون والمثُل لدى الشعوب، أي أنه الفرع الذي يحيط بنشاطات الشعوب المادية والروحية ويدرس تقنياتها وأديانها وشرائعها ومؤسساتها وفنونها ولغاتها.
وخلال بحث المؤلف في (ماهية علم خصائص الشعوب) يوضح لنا مفهوم الانتوغرافيا بأنه مصطلح مؤلف من الكلمتين اليونانيتين (مُّوََُّ) وتعني قوم أو شعب و(هْفِويم) وتعني وصف، وبهذا يصبح معنى الانتوغرافيا وصف الشعوب، ويسمي البعض الاتنوغرافيا بالناسوت تحويراً لكلمة الناس، فالناسوت كما يراه (كلود ليفي شتراوس) هو الجزء الوصفي من النياسة التي تتناول جماعة أو مؤسسة تضم جماعات لها أعراف وتقاليد وتراث وعبادة وزواج خاص بها. وعندما يبحث المؤلف في طبيعة البناء الاجتماعي للشعوب يجد أنه مفهوم يشير إلى وجود درجة معينة من الاتساق والانسجام في الحياة الاجتماعية، وتوفر نوع من التنسيق والترابط بين أفراد المجتمع كافة، وهذا يتجسد في علاقاتهم اليومية المعاشة بغض النظر عن المجتمع الذي هم أعضاء فيه. وينطوي تحت البناء الاجتماعي العديد من الأنساق الاجتماعية، مثل النسق القرابي، النسق الديني، النسق السياسي، نسق العقوبات، نسق الزواج، نسق اللغة.
ثم يوضح الجباوي مفهوم العائلة التي هي حصيلة زواج شرعي ممهور بختم الجماعة، والذي يتباين بالوظائف المناطة بأنساقه الاجتماعية والثقافية والروحية من مجتمع بشري إلى آخر. إذ إن العلاقات الجنسية في طفولة البشرية الأولى لم تكن منتظمة، إذ كانت هناك إباحية شبه مطلقة لتلك العلاقات، ثم بدأت تخضع لضوابط اجتماعية تقيد حرية الفرد تدريجياً مع تنامي ثقافته ووعيه.
كما يبحث المؤلف في نظرية هنري مورغان في العائلة التي تقول إن المجتمع الإنساني هو بمثابة كائن عضوي حيّ في حركة دائمة وتغير مستمر في الزمان والمكان، وأن العلاقات الزوجية العائلية عند المجتمعات البشرية لا تزال تعيش حياة البساطة التي فُطر عليها الإنسان.
غيرأن المؤلف ينتقد نظرية مورغان حول تطور العلاقات الزوجية بين الرجل والمرأة لأن أراء مورغان التطوريةـ بحسب المؤلف ـ تعرضت لانتقادات شديدة لعدم قدرتها على الإتيان بشواهد مادية محسوسة تثبت وجود مثل هذه العلاقات الجنسية لكل من الإباحية الجنسية وعائلة قربى الدم.
ولدى تناول الجباوي لموضوع الشعب وروابطه السلالية المعاشة يجد أن كلمة الشعب تطلق على مواطني الوحدة السياسية (الدولة) الذين يخضعون لسلطة سياسية واحدة. أما أهم الروابط السلالية المعاشة فهي رابطة اللغة التي تربط أفراد الشعب المتكلمين بها في الزمان والمكان، فاللغة أداة الفكر والاتصال، وقد لعبت دوراً مهماً في بناء الإرث الاجتماعي للبشرية.
ويرى المؤلف أن كثيرا من الشعوب فقدت لغتها نتيجة خضوعها للاحتلال الأجنبي المغاير بروابطه السلالية المعاشة لسكان البلاد الخاضعة لذلك الاحتلال.
كما يتناول المؤلف قضية (الاتجاهات الفكرية في الانتوغرافيا) ليجد أن أشهر الاتجاهات الفكرية في مجال الانتوغرافيا هو الاتجاه التطوري، وأن أشهر من وضع أسسه العرب ولاسيما إخوان الصفا ثم أتى من بعدهم داروين وسبنسر. وهناك أيضاًالاتجاه الفكري الوظيفي ومن أشهر رواده دوركهايم و ليفي برول. بالإضافة إلى الاتجاه الفكري الانتشاري الذي يعد هونزغ شرتز من أهم منظريه.
أما أكثر الاتجاهات تأثيراً في الدراسات التي تهتم بأصل الشعوب وتحليل منظوماتها الثقافية هناك :الاتجاه الفكري البنيوي الذي يعد الأنتربولوجي الفرنسي ليفي شتراوس من أشهر منظريه، والاتجاه الفكري التاريخي النفسي الذي يعد من أشهر رواده الباحثة روث بنديكت والتي بينت أن الصفات النفسية للأفراد تختلف باختلاف ثقافة شعوبهم.
المؤلف في سطور
علي عبد الله الجباوي باحث في تاريخ الشعوب والأقوام و أستاذ الأنتروبيولوجيا بجامعة دمشق. من أهم مؤلفاته: الأنتروبيولوجيا الطبيعية، الأنتروبيولوجيا الاجتماعية، علم الاناسة، علم الأنتروبيولوجيا العام، المرأة في أسفار التوراة، الفكر الانتروبولوجي في التراث العربي الإسلامي، عشائر النور في بلاد الشام، وله العديد من المؤلفات في الجغرافية السياسية والجغرافية التاريخية.
المثاقفة الفكرية
يناقش علي عبدالله الجباوي الاتجاه الفكري التثاقفي، ليبين رائده الأول ميلفين هريكوفيتريز أن التثاقف هو التغير الثقافي في الظواهر التي تنشأ حين تدخل جماعات من الأفراد الذين ينتمون إلى ثقافتين مختلفتين في اتصال مباشر مما يؤدي إلى حدوث تغيرات في الأنماط الثقافية الأصلية لإحدى هاتين الجماعتين. وهذا يتم إما عن طريق الاحتلال أو عن طريق التبشير الديني.
الكتاب: علم خصائص الشعوبعلم الأقوام
تأليف: علي عبد الله الجباوي
الناشر: دار التكوين دمشق 2009
الصفحات : 400 صفحة
القطع: المتوسط
د. رشيد الحاج صالح

