يعد الدكتور محمد زكي عشماوي واحداً من أبرز أعلام النقد المعاصر، بما تمتع به من حس مرهف في التقاط جوانب نقدية هامة. وقد أصدرت مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في الكويت هذا العام (2009) سلسلة من مؤلفات د. العشماوي تحت عنوان «الأعمال النقدية الكاملة» في تسعة كتب، تخليداً لذكراه، ولحفظ تراثه الأدبي من الضياع. وتنوعت هذه الأعمال ما بين دراسات حديثة معاصرة، وأخرى قديمة تعود إلى العصر الجاهلي، وهو في كل هذه الكتب بدا ناقدا وشارحا لأهم القيم الإبداعية والفنية، مقارناً ذلك بأدبنا المعاصر.
وقد تصدر هذه المجموعة كتاب «النابغة الذبياني مع دراسة للقصيدة العربية في الجاهلية»، تناول المؤلف من خلاله شخصية النابغة الذبياني من حيث هو فرد من أفراد قبيلته، فدرس حياته ورحلاته وعلاقاته بالملوك، سواء بالنعمان بن المنذر، أو بالحارث بن جبلة. وكل هذه التفاصيل عن حياة النعمان بن المنذر كانت ضرورية لاتصالها المباشر بشعرية النابغة، حيث أن لكل قصيدة سببا، وحيث أن النابغة عاش في فترة صراع بين القبائل العربية ببعضها من جهة، وحيث أن هذه الدراسة توضيح العلاقات السياسية بين المناذرة والغساسنة من جهة أخرى. ومن خلال تناول العشماوي لدراسة القصيدة عند النابغة، فإنه قصد في البداية والنهاية أن يكون شعر النابغة عبارة عن عينة للقصيدة العربية الجاهلية، في بنائها وأغراضها.
ومن أهم الكتب التي تضمنتها سلسلة الأعمال النقدية الكاملة، كتاب «قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث» حيث تضمن عملية مقارنة بين النقد الحديث والنقد القديم من حيث الذاتية والموضوع والخلق الأدبي ولوحدة العمل الفني بعد ذلك، وانتقل بعد ذلك ليسرد نظرية الخيال عند «كولردج» من حيث تحليل هذه النظرية وتوضح الفلسفة المثالية التي تأثر بها «كولردج»، ونراه ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الوحدة العضوية للقصيدة العربية من حيث الشكل والمضمون.
ومن حيث الشكل والمعنى، وكيفية تمثل ذلك في النقد العربي، وهو خلال ذلك يسوق عدداً من جهابذة النقاد العرب، فيبدأ مع ابن المعتز وقدامة بن جعفر وأبي هلال العسكري وعبد القاهر الجرجاني ونظرية النظم لديه، من حيث نظرته إلى اللغة بكافة أشكالها من لغة إشارة إلى لغة الانفعال، وتحديده لقيمة اللفظ المفرد وأهميته. وبعد ذلك تبدأ المقارنة، كمقارنته بين منهج الجرجاني ومنهج الآمدي من حيث تحليل النصوص والموازنة.
يتصدى د.العشماوي لأمراض الفكر في القرن العشرين وما ينطوي تحتها من غربة وغثيان وتمرد ولامعقول، ومن ثم نظرة الوجوديين إلى هذه المسألة، وبعد ذلك يتناول أدباء الإسكندرية كمثال على تحول وتطور القيم في أدبهم، والإشارة إلى أنهم لم ينفصلوا عن تيار الأدب العام.
وفي كتابه »الرؤية المعاصرة في الأدب والنقد« يتناول الموضوع في جانب من جوانبه الهامة، حيث ركز على موضوع تدريس مادتي الأدب والنقد في الجامعات، فرسم المنهج الذي يصلح لذلك عن طريق مجموعة من المقترحات.
ولم يغفل الدكتور العشماوي أن يهتم بأساس الأدب والفن، ألا وهو المسرح، حيث بين أصوله منذ العصور السالفة إلى أن بين اتجاهاته النقدية ومدى تطورها، وكل ذلك ضمن دراسة تحليلية مقارنة، بين المسرح قديماً والمسرح حديثاً، وبين المسرح في الغرب ونظيره في الشرق.
كما تضم السلسلة كتاباً يحوي أعلام الأدب العربي الحديث واتجاهاتهم الفنية «الشعر، المسرح، القصة، النقد الأدبي»، ويعتبر هذا إنجازاً رائداً في الإلمام بأعلام الأدب العربي، ودراسة تطور فنون الأدب العربي المعاصر من خلال أعلامه البارزين، فبدأه المؤلف بمرحلة إحياء التراث عند شوقي وحافظ إبراهيم، لينهيه عند محمد خلف الله أحمد والاتجاه النفسي، والعلاقة بين علم النفس والأدب.
ومن اللافت للانتباه هو كتاب «أعلام معاصرون من الشرق والغرب في الفكر والأدب والفن»، حيث يسوق د.العشماوي كمّاً من أشهر النقاد والأدباء والمفكرين المعاصرين، ويذكر أهم المجالات التي برع فيها هؤلاء، مع وضعه لبصمته الإبداعية النقدية في تفسير وشرح آرائهم، وتطرق الكتاب إلى دراسة الشخصية الأدبية بين طه حسين والعقاد والمازني.
المؤلف في سطور
الدكتور محمد زكي العشماوي مفكر مصري ولد بفارسكور في مدينة دمياط في الثالث من شهر فبراير 1921م، ولكن عرفته الإسكندرية طالبا بقسم اللغة العربية بكلية الآداب في المدة من 1941م إلى 1945م، ثم رئيسا بقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية ووكيلا للكلية ثم عميدا للكلية ثم نائبا لرئيس جامعة الإسكندرية وعميدا لكلية الآداب بجامعة بيروت العربية في المدة من 1979 ـ 1981م.
وشغل الدكتور العشماوي العديد من المناصب، فهو عضو مجلس الثقافة بالإسكندرية منذ إنشائه، واختير عضوا في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب عام 1976م. حائز على عدة جوائز وله العديد من المؤلفات الأدبية والنقدية والإسلامية.
الأدب والنقد النسبة العظمى من مؤلفات د.العشماوي منصبة في التركيز على الأدب والنقد العربي الحديث، على كل ما يحتويه من شعر ومسرح وقيم للحياة، وقد بلغ تعداد هذه الكتب خمسة كتب، ففي كتابه «الأدب وقيم الحياة المعاصرة».
الكتاب: الأعمال النقدية الكاملة
تأليف: د. محمد زكي العشماوي
الناشر: مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري الكويت 2009
الصفحات: 125 صفحة
القطع: المتوسط
عدنان فرزات

