يرى الباحث في التراث العربي والإسلامي والخطاط السوري أحمد المفتي أن دمشق كانت زعيمة الممالك الآراميّة، وكان معبدها الأعظم حدد (مكان الجامع الأموي الحالي) من أعظم المعابد، فيه ولدت الحروف الآراميّة ومنه انتقلت إلى بلاد الشرق القديم، ومن الأيدوميين تعلم الأنباط الكتابة الآراميّة واستخدموها في نصوصهم التذكاريّة، وتجارتهم الدوليّة وكتاباتهم هي أقدم الكتابات العربيّة، وقد سيطروا على دمشق سنة 85 قبل الميلاد.
وأقاموا حياً في دمشق سموه بالنيبطون، وفي زمن الحارث الرابع ما بين سنة 37 ـ 45 ميلادية كان الأنباط قد طوروا الحروف الآراميّة وجعلوها قريبة لحرفنا العربي الحالي اليوم، وكانت دمشق هي مصدر الإشعاع لهذا التطور الذي اكتمل مع الأيام. ويضيف الباحث المفتي في تقديمه لكتاب (الخطاطون السوريون الروّاد في الثلث الأول والثاني من القرن العشرين) أنه بظهور النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، ونزول القرآن الكريم بلغة عربيّة، ولد الخط الحالي وتطور إلى أن أصبح فناً من الفنون. استعرض الكتاب تسعة عشر خطاطاً سورياً من جيل الرواد وما بعدهم، أي الذين ولدوا في النصف الأول من القرن العشرين، واستمروا إلى مراحل مختلفة فيه، وبعضهم مازال على قيد الحياة كالخطاط محمود الهواري، وعثمان حسين طه، وزهير منيني، وزهير زرزور.
يعتبر الخطاط ممدوح الشريف الرائد الدمشقي الأول في فن الخط، وكانت له شهرة واسعة في سوريا ولبنان والأردن وفلسطي . تفرد هذا الفنان بقواعده في خط الثلث والكوفي، فكان ينظر إلى الفراغ نظرة جماليّة، ويتجاوز موازين الحروف من حيث الطول والقصر وذلك حسب التكوين. بعده جاء بدوي الديراني الذي درس مع الشريف في مدارس دمشق والكلية العلميّة الوطنيّة، وقدم لبلاد الشام الأسلوب الجديد في قواعد خط التعليق، بعد أن كان خط الثلث هو المتربع على عرش الخطوط.
وعمل بدوي على إدخال تدريس الخط ضمن المنهج التعليمي وأفلح في ذلك، وتخرجت على يديه نخبة من أرباب القلم والتاريخ والأدب والشعر أمثال الأديب المؤرخ الوزير شاكر مصطفى، والشاعر الذي طبقت شهرته الآفاق نزار قباني، والمحامي الموسوعي نجاة قصاب حسن، ثم جاء حلمي حباب، وهو تلميذ ممدوح الشريف، وقد لازمه حتى وفاته، وخط شاهدة قبره. ذاعت شهرة حلمي حباب بعد وفاة أستاذه، وقد استفاد من العلاقات التي كان ممدوح قد أقامها مع زبائنه، ونهج طريق الفن بصبر وشجاعة، ودرّس في مدارس دمشق طوال حياته.
ثم درّس في دار المعلمين، وكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وعمل خبيراً لدى المحاكم السوريّة، يعتبر حلمي من جيل الرواد الذين شكّلوا مطلع القرن العشرين حركة الريادة في الخط العربي، وشارك في المعارض المحليّة والدوليّة.
بعده جاء زهير منيني الذي درس الخط على يد بدوي الديراني، وشغف بالموسيقا فانتسب عام 1945 للمعهد الموسيقي الشرقي، وتعلم الموشحات على يد الأستاذ سعيد فرحات، ثم انتسب لفرقة الفنان الشهير عمر البطش فأخذ عنه بعض الموشحات ورقص السماح، وقد وهبه الله صوتاً جميلاً، إلى جانب موهبة الخط.
ومن الخطاطين المعاصرين زهير زرزور الذي تتلمذ على يد الخطاط موسى الجلبي، ونال شهادة الخطاط بدوي الديراني. وعبد الرحمن فاخوري الذي عمل في الصحافة السورية، وقام بتدريس الخط في مؤسسات وزارة الثقافة ووزارة التربيّة. ومحمد قنوع الذي درس الخط من حلمي حباب، ثم تابع تدريباته على يد الخطاط بدوي الديراني.
تميز بالخط التعليق، وابتكر بعض الخطوط الفنيّة الحديثة، استعملها في الصحافة السوريّة. كان رئيساً للجمعية الحرفيّة للخطاطين، حيث تمكن من جمع الخطاطين حوله وقرّبهم من وسط الفنانين التشكيليين، وأدخل الخط العربي لأول مرة إلى المعرض السنوي للتشكيليين السوريين، وهو ما يُعتبر إنجازاً نوعياً.
وعثمان حسين طه الذي ذاعت شهرته في جميع أنحاء العالم الإسلامي بانتشار المصحف الذي خطه لمجمع الملك فهد بن عبد العزيز في المدينة المنورة، وقد أجيز هذا الخطاط من قبل الخطاط الكبير حامد الآمدي، وقد اختارته وزارة الأوقاف السوريّة ليكتب أول مصحف بالرسم العثماني، وكانت المصاحف التركية تتبع القواعد الإملائيّة الحديثة. ثم كتب مصحف الدار الشاميّة.
ثم جاء محمود الهواري الذي تتلمذ على يد بدوي الديراني ولازمه حتى وفاته، وقد أجيز من قبل الخطاط محمد هاشم البغدادي وكان على علاقة وثيقة به، كما أجيز من قبل الخطاط التركي الشهير حامد الآمدي.
صمم الهواري حروفا لعدة أنواع من خطوط الكمبيوتر، وبعض الحروف الضاغطة لعدة شركات عربيّة وأجنبيّة، ويمتلك مجموعة نادرة لكبار الخطاطين القدماء، ويُعد منزله معرضاً دائماً للخط العربي.
القرآن الكريم
لا يزال القرآن الكريم الميدان الرئيس، لإبداعات الخطاطين العرب والمسلمين، رغم التطور المذهل، لوسائل الطباعة وانتشارها، والتي مازالت حتى يومنا هذا، تعتمد على جهود الخطاطين وإبداعاتهم، لاسيما نسخ القرآن الكريم الذي يتم كتابته من قبل الخطاط الذي قد يخططه ويزخرفه، أو قد يتشارك مع مزخرف مختص، لتزويق وتزيين صفحاته.
الكتاب: الخطاطون السوريون الرواد في الثلث الأول والثلث الثاني من القرن العشرين
إعداد: محمد ياسر العبار
الناشر: الأمانة العامة لاحتفاليّة دمشق عاصمة للثقافة العربيّة دمشق 2009
الصفحات: 80 صفحة
القطع: الكبير
د. محمود شاهين

