إذا كان هناك كاتب عالمي يجسد العزلة والحرص على البعد عن الأضواء، فإن هذا الكاتب لن يكون إلا الروائي الأميركي توماس بينشون، الذي لم يسمح بإجراء مقابلة واحدة معه، ولم تنشر له صورة حديثة واحدة.
ورفض القيام بأي جولات ترويجية لكتبه، غير أن هناك استثناء واحداً من هذه القاعدة، هو هذه المقابلة التي بثها موقع «بينشونويكي» الإلكتروني، ولم ينف بينشون نسبتها إليه، حيث أعرب عن اعتقاده بأن الإعلام العالمي لم تعد له صلة حقيقية بالإنسان، وهي قاعدة تنطبق على كبرى صحف وقنوات أميركا، التي قال عنها إنها بلد يبحث دوماً عن عدو.. وفيما يلي نص الحوار:
كيف تسير حياتك اليوم مع إطلاق روايتك السابعة «خطيئة موروثة»؟
كل ما كان المقيمون في نيويورك يتحدثون عنه مؤخراً هو ما إذا كانوا توجهوا إلى الموقع السابق للمركز التجاري العالمي من عدمه، ويرجع هذا إلى أنه أصبح موضوعاً مطروقاً.
وعلى الصعيد الشخصي، فإنني لا أزال عاجزاً عن أن أجد موضوعاً مطروقاً للحديث. وعلى الصعيد الشخصي، فإنني لا أزال عاجزاً عن أن أجد نفسي راغباً في التوجه لرؤية الموقع. والشيء الرئيسي الذي تغير في أسلوب حياتي مؤخراً يتمثل في الحقيقة القائلة إنني لم أعد أركب قطارات المترو.
وفي السابق كنت أركب هذه القطارات إلى أي مكان أمضي إليه، ولكنني الآن لا أركبها أبداً في إطار المخاوف التي تجتاح جزءاً كبيراً من قطاعات الجمهور الأميركي، ففي نهاية المطاف لم ينس الكثيرون حالة استخدام غاز السارين في قطارات الأنفاق في طوكيو.
كيف تنظر إلى أداء الإعلام العالمي اليوم وسط دفق التطورات الهائل الذي نشهده اليوم؟
إن المحطة الإعلامية التي تبث تقارير عن الإرهاب بصورة مستمرة إلسي إن إن، ولأن الجميع يشاهدها، فإننا يمكننا القول إن الأخبار التي يشاهدها الجميع تظل هي الأخبار ذاتها، غير أن من الخطورة أن يبدأ الناس في الاعتقاد بأن ما يرونه هو الأخبار الحقيقية.
وبالنسبة لمحطات التلفزيون فإن هذا النوع من المواقف ينبغي أن يكون فرصة عظيمة للتعبير عن تميزها، غير أن الشيء الوحيد الذي يقوم به مقدمو البرامج هو قراءة الأخبار بصوت مضجر، أو عندما تجيء الأخبار خلال التقارير، فكل ما يفعلونه هو أن ينطقوا الأخبار التي يتلقونها، كما لو كانوا يبصقونها. وعلى أي حال فإنهم يتحدثون بقصد وحيد، وهو شغل الوقت المتاح لهم للظهور على الهواء.
وهكذا فإن صفة «بلا أثر» تناسب علي أفضل وجه حديث المذيعين. وهي طريقة للتعبير ليست لها صلة بالإنسان ولا تتمتع بأي قوة انفعالية على الإطلاق. وأنا أستنكر هذه الطريقة في التعبير. وإذا استمعت عن كثب لتلك الكلمات فإنها لن تبدو أخباراً حقيقية، وإنما ستبدو أقرب إلى الدعاية غالباً. ونلاحظ أن الأخبار المفيدة أصبحت نادرة.
وصحيفة «نيويورك تايمز» تعرف عادة بأنها المصدر الإعلامي الأكثر اعتمادية لدى القيام بالبحث فيما يتعلق بأمر حدث قبل عقدين أو ثلاثة عقود من الزمان.
غير أن الأمر لم يعد كذلك، وإنما الصحيفة الأكثر قابلية للاعتماد عليها والتي يقرأها المثقفون اليوم هي صحيفة «غارديان» اللندنية. والجميع يقرأها عبر الإنترنت. وأنا أعتقد أن الكثير من المعلومات الصادرة عن البيت الأبيض هي دعاية كذلك. والمشكلة هي أن الناس العاديين لا يمكنهم التمييز بين الأخبار والدعاية، بل الأمر على العكس من ذلك تماماً.
كيف يتطور الموقف الإعلامي على الصعيد الدولي عندما تندلع الحروب في رأيك؟
عندما تندلع الحروب في بقعة ما من العالم، فإن الحرب من أجل الإعلام تكتسب على الفور أهمية كبرى، بل إن الصحف التي تبدو للوهلة الأولى مطبوعات محترمة تغدو فاقدة إمكانية الثقة فيها من قبل القراء، وقبل مئة عام مضى فإن الرجل الذي بدأ نشر صحيفة «ديلي ميل» قال ما يلي: «الأخبار هي شيء يريد أحدهم حجبه.
وكل ما عدا ذلك لا يعدو أن يكون دعاية». وينبني على ذلك أن جميع المعلومات التي يمكن الحصول عليها من دون تغطية صعبة، حتى وإن كانت صادرة من البيت الأبيض يمكنك النظر إليها باعتبارها دعاية.
أين تقف الولايات المتحدة اليوم في ميداني الحرب والإعلام؟
كان للولايات المتحدة على الدوام ميل إلى البحث عن عدو، فهي بلد لا يطيق عدم وجود عدو له.
وحتى في ما يتعلق بأبرز التطورات على هذا الصعيد، أي ما جرى في الحادي عشر من سبتمبر، فقد تقرر بالفعل أن الشرير الذي يقبع وراءها هو أسامة بن لادن.
ولكن في حقيقة الأمر فإن من بادروا مسرعين إلى قول هذا قد طرحوه لأنهم لا يطيقون عدم القيام به. وأنا أعتقد أن بن لادن في هذا الصدد هو أقرب إلى اختراع شخص ما لشخصية المهرج في سباق روديو. وعلى الرغم من أن أفكاري على الدوام هي أفكار ارتيابية، فإنني أعتقد أنني لست الوحيد الذي يساوره هذا الشعور.
ويقال في هذا الصدد إن وكالة الأمن القومي الأميركية المعروفة اختصاراً باسم «إن.إس.إيه» تبحث عنه وتحاول رصد مكان اختفائه، ولكنني أعتقد أن ذلك يشبه البصلة حيث سيتم اكتشاف طبقات جديدة دوماً.
وأياً كانت الطريقة التي أتأمل بها هذا الموقف، فإنه لا يبدو أن بن لادن قام بما ينسب إليه بطريقة مستقلة. وإذا تحدثنا بصراحة فإنني لا يمكنني القول إن الوجه الذي يبرز على التلفزيون أو على صفحات الجرائد هو بالضرورة الوجه الحقيقي. ومازلت أتذكر أن أحدهم قال بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مباشرة: «لا عليك، هل تريد بن لادن؟ لسوف أعطيك 20 بن لادن».
وحتى إذا نجحت الولايات المتحدة في قتله فإن ذلك سيعني أنه لا يزال هناك 19 بن لادن لم تتم تصفيتهم. وحتى لو كان هناك بن لادن واحد، فمن الذي يضمن أنه لن يكون هناك آخر يحل محله إذا تعرض للتصفية، وإذا نظرنا إلى هذا الأمر من زاوية مختلفة، فإنه يتعين على الولايات المتحدة أن تنظر إلى بن لادن على أنه رمز أكثر مما هو رجل، بل إنه قد لا يكون له وجود على الإطلاق، على الرغم من كل ما يقال باسمه أو عنه اليوم.
ما الذي تعتقد أنه يثير الكراهية للولايات المتحدة في بعض مناطق العالم اليوم؟ وكيف يمكن معالجة هذا الوضع مستقبلاً.
إن ما يقال غالباً، في هذا الصدد، هو أن الثراء الفاحش للولايات المتحدة المستمد من مصادر تدور حولها علامات الاستفهام يثير كراهية البعض لها في عدد من مناطق العالم. ويمكنني فهم هذا الشعور بصفة جيدة، فعندما أرى شخصاً فاحش الثراء فإنني أحس على نحو غريزي بغضب يعتمل في أعماقي.
وإذا فكرت في أن أفغانستان تعتبر إحدى أفقر دول العالم على الإطلاق، فإن من الطبيعي فحسب أن يشعر البعض فيها بالكره تجاه الولايات المتحدة ذات الثراء الفاحش، ومن منظوري فإنهم لا خيار أمامهم إلا الإحساس بهذا.
وفي إطار ملاحظة أخيرة أطرحها هنا، فإنني لو تعين عليّ القيام بالاستثمار في مجال ما بقوة في التو واللحظة، لبادرت إلى الاستثمار في صناعة التبغ، فبعد كل التوتر الذي شهده العالم فإن من أقلعوا عن التدخين سيعودون إليه مجدداً.
المؤلف في سطور
ولد الكاتب الأميركي توماس بينشون في 8 مايو 1937 في جلين جوف في نيويورك، وتخرج من جامعة كورنل عام 1958، وعمل في شركة بوينغ قبل التفرغ للكتابة، حيث قدم سبع روايات أولها رواية «في» عام 1963 وأحدثها رواية «خطيئة موروثة» وخمس مجموعات أشهرها «الأراضي الخفيضة» بالإضافة إلى كتابين يضمان مقالاته هما «رحلة» و«خطايا قاتلة».
ويعد من أكثر كتّاب أميركا غموضاً وبعداً عن الأضواء، وقد حصل على العديد من الجوائز، منها جائزة فوكنر عام 1964 وجائزة روزنتال عام 1967 وجائزة الكتاب الوطني الأميركي عام 1974 ووسام الأكاديمية الأميركية عام 1975.
منى مدكور
