بالإضافة إلى صوتها وغنائها المدهشين، تحلت المغنية الأرجنتينية مرسيدس سوسا، التي رحلت مؤخرا عن عمر ناهز الـ 74 عاما، بنبل فكري والتزام فني يعز نظيرهما في الساحة الفنية العالمية وشكلا سمتان جوهريتان رافقتا كل حياتها الشخصية والعامة في آن. فهي مبجلة وموقرة في بلادها وفي العالم أجمع وشيدت «السمراء»- كما يلقبها محبوها- رمزا لا يمحى للنضال في سبيل فتح أفق للحرية.
كانت تقول إنها تغني كي لا تموت، وكل من مر بجوار منزلها كان يدرك على الفور عشقها للغناء والموسيقى، هناك كانت اللحظات تمر دافئة مصحوبة بأبعاد فنية صافية وكلية، هناك كانت مرسيدس سوسا تبحث لنفسها عن أي مسوغ أو عذر لتغني أمام زوارها من الصحافيين، فتنطلق من حنجرتها الرقيقة جملة، ذكرى، أغنية جديدة وأحيانا كان يقطع الغناء بكاء، لكنها كانت تغني دوما، اعتقدت أن تلك هي أفضل وسيلة للتعبير عن نفسها، وكان الحق معها.اشتغالها بالشأن السياسي وغيرتها على أبناء جلدتها حملاها على التواضع دائما والقول إنها لم تكن معشوقة الجماهير وإن المحرومين والمضطهدين كان يروق لهم مطربين آخرين أكثر التصاقا منها بالشأن العام على غرار أوراسيو غواراني وإنها كانت تنتمي أكثر إلى الطبقة المتوسطة.
لكن بعيدا عن أغراض الدعاية والترويج وكواليس وسائل الإعلام، يمكن القول، دون تردد، إن دليل السمراء في الحياة لم يكن سوى حدسها. فمذ كانت فتاة صغيرة أحبت الإيقاعات السريعة وألاعيب أمها والحياة وعندما كبرت راحت تنام مع القراءة ومع الراديو،وسيلة الإعلام المفضلة لديها.بعد أن انفصلت عن زوجها الثاني، اختارت عزلة هادئة .
وما كانت تخرج من بيتها إلا قليلا. كانت تمضي وقتها هناك بالاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية ودراسة ما أدت من أغاني سرعان ما تحولت إلى أعمال موسيقية كلاسيكية بدورها، أغاني مثل »شكرا للحياة»،» أغنية مع الجميع»،» لحن لبورتيناري»،» ألفونسينا» و» البحر ينتمي إليهم عمليا»، بينما منحتها مفردات خبرتها عميقا،مثل الكفاح والحظر والمنفى والعودة عام،1982 بعدا أسطوريا.
وبذلك برزت كشخصية تعشقها الجماهير في كافة أرجاء المعمورة وفي جعبتها مخزون رمزي جبار، إذ تعتبر سوسا في أميركا اللاتينية والكاريبي وأوروبا مرادفا للنضال والمقاومة والحرية، وشخصيتها تجمع الكثير من المتناقضات المحببة فهي تقليدية وعصرية، ريفية وسيدة مجتمع، فظة ومتحذلقة، فضلا عن أنها تعتبر أهم مغنية أرجنتينية في التاريخ.
ومن الصعب أن يتذكرها المرء دون أن تجري في عروقه قشعريرة لذيذة لا سيما عندما تكون واقفة وسط خشبة المسرح تحت حزمة ضوء تشي بملامحها الهندية الحمراء لحظة صدوح صوتها الملائكي في مشهد أقرب إلى نوع من عالم كامل يبدو اليوم قد تكسر مع رحيلها.
نظرة عابرة على مسيرتها بحديها الفني والحياتي العصيان على التفريق ورسم حدود واضحة بينهما، تبين بوضوح لا لبس فيه أنها ومنذ أدائها الأول عام 1965 لم تتوقف عن الغناء متحولة إلى مغنية أممية بامتياز. وبين المنفى والمشكلات الصحية، تمكنت من المحافظة على مستوى رفيع لا بل خارق للعادة من الجودة في كل مشروع تصدت له.
برحيل سوسا مرسيدس، رحلت أرفع أيقونة للفولكلور الأرجنتيني وأفضل مغنية شهدها العالم الناطق بلغة سيرفانتيس في التاريخ، لكن يبدو أنها أحست في أيامها الأخيرة بدنو أجلها فبادرت إلى تسجيل اسطوانة تحت عنوان» المغنية»، التي باتت تعد عملها الأخير الذي سجلت كل أغنية فيه مع مغني ضيف ووضعت لمساتها الأخيرة عليه وكان من المقرر إطلاقها، قبل أن يسرقها الموت بوقت قصير، على شكل » س دي» و» دي في دي»، إلا أن مرضها حال دون ذلك ورحلت عن الدنيا قبل أن يرى النور.
رشحت «السمراء» لجوائز غرامي اللاتينية عام 2009 ضمن فئات ألبوم العام ،أفضل تصميم لغلاف وأفضل ألبوم فولكلوري وذلك عن إنتاجها الخير الذي شارك فيه كل من كايتانو فيلوسو، خوان مانويل سيرات، تشارلي غارسيا، لويس ألبرتو سبينيتا، دييغو توريس وشاكيرا، التي أعربت عن صدمتها الشديدة حيال وفاة صديقتها السمراء.
في عام 2003، كانت سوسا قد وقعت صريعة أزمة قلبية أبعدتها عن الأضواء وخشبات المسارح لفترة طويلة نسبيا أبقتها صامتة طوال عامين ولم يعرف عنها سوى أخبار قليلة وما زاد الطين بلة سقوطها في حمام منزلها إثر تعثرها في مشيتها، لكنها تمكنت بعد طول معاناة من استعادة عافيتها وظهرت مجددا من خلال سلسلة من العروض الفنية واسطوانة بعنوان مشبع بالإيحاء هو» قلب حر».
وحينها صرحت لوسائل الإعلام قائلة» أنتم لا تدركون ما معنى أن يكون المرء مطربا وأن يبقى جالسا بصورة دائمة وهو يشاهد التلفزيون أو مستلقيا من دون أن يخرج».
ولدت سوسا مرسيدس في سان ميغيل دي توكومان في يوليو 1935، وهو مكان متواضع كانت تتناول فيه طعام غداء قوامه يقتصر الحنطة مع الملح، لكن ذلك المكان وسكانه كانوا متشبثين بقوة بالتعبيرات الشعبية الصافية الأصيلة. الفقر كان حالة لم تتمكن، بأي حال من الأحوال، من اختراق المعنويات وهامات الناس الشامخة.
منظر أم وهي تقلي الفطائر على ضوء القمر، الضوء الوحيد المتاح، بقي عالقا في ذاكرة السمراء ونقلته إلى عشرات المقابلات والحوارات. ذلك المشهد المفعم بأريج برتقالات توكومان رافق الفنانة في حلها وترحالها داخل الوطن وخارجه.
عندما كانت طفلة في سن المراهقة،أتيحت لها فرصة الذهاب إلى الرقص في النوادي المحلية، التي أحبتها كثيرا إلى درجة جعلتها في وقت لاحق تشرع في تعليم الرقصات الفولكلورية، فضلا عن أنها بدأت الغناء في سن الخامسة عشر وبعد أن أحست بتشجيع أصدقائها ووفاء أسرتها لها توغلت أكثر وخطت المزيد من الخطوات في عالم الموسيقى والتحقت بدورة تعليمية كانت تنظمها إذاعة محلية، وراحت تغني وترقص تحت اسم غالديس أوسوريو المستعار ومكنها ذلك من نيل جائزة المسابقة الصوتية وكوفئت بعقد لمدة شهرين غنت خلالهما في أستوديو تلك الإذاعة.
وهكذا بدأت قصة كانت لا تزال بعيدة كل البعد عن لحظة إسدال الستار عليها. وكان من شأن تعلقها في الفولكلور وإبداعها فيه أن يضعها في صدارة » حركة ديوان ألأغاني الجديد» وهو تيار تجديدي في هذا النوع الموسيقي خطى خطواته الأولى في ميندوزا وطرح أشياء جديدة على غرار تنحية موضة اللحظة جانبا والتوغل في عوالم الرؤية الكونية للانسان الأرجنتيني بطباعه وأفراحه وأتراحه الخاصة.
في تلك الحركة نفسها انخرط أرماندو تيخادا ومانويل اوسكار ماتوس، الذي أصبح زوجها لاحقا وأنجبت منه ابنها فابيان، وقام ماتوس، في شركته الخاصة، بتسجيل الاسطوانة الأولى للسمراء، فكانت أغاني لها أساس متين،ظهرت فيها بصورتها الجانبية وشعرها الكهرماني الأسود وعباءة رعاة أميركا اللاتينية الحمراء.
ومن ثم تتالت اسطواناتها وتعاقبت مشاركاتها في المهرجانات وبين ليلة وضحاها أصبحت سوسا مطربة شعبية. ملامحها التي تعود أبناء الأوروبيين في أميركا المستوردة صبت في خانة إطلاق العديد من الألقاب الحميمة عيلها فسميت » السمراء» وكذلك» لا باشاماما» و» أم أميركا» و» وصوت ألأرض».
ولقد شاركت في بداية مسيرتها الفنية بتسجيل القصيدة الشعبية» موت خوان لافايي» للأديب الأرجنتيني إرنستو ساباتو وإدواردو فالو وغنت » حمامة الوادي».
في عام 1966، سجلت أغنية» أنا لا أغني من أجل الغناء»، التي لاقت استحسانا وقبولا مباشرين وما أن مرت سبعة شهور فقط حتى طلب منها تسجيل أغنية أخرى تحت عنوان» أخي»، وفي أغنية » من أجل أن أغني لأهلي» حلقت سوسا بسيل من الشعر الأرجنتيني والأميركي اللاتيني.
جولاتها عبر أوروبا والولايات المتحدة راحت تشكل جزء من روتينها. وفي عام 1967 تعرفت إلى أرييل راميريز، الذي اقترحها لتؤدي نشيد» نساء أرجنتينيات».
وفي تلك السنوات كانت الحكومة العسكرية في الأرجنتين قد منعت نشر أغانيها عبر أثير الإذاعة الوطنية، بينما رأت أغنيتها» أحمل شعبا في صوتي» النور عام 1975 وتبعها بعد عامين أغنية «ليزدهر شعبي». في عام 1976 سجلت «مرسيدس سوسا» اسطوانة غنت فيها للتشيليين فيكتور هارا وبابلو نيرودا وللبيروفية أليسيا ماغينيا ولبولا دي نييفي الكوبية.
لكن عام 1970 كان متميزا في مسيرة مرسيدس الفنية، فلقد سجل لمرحلة خصبة غزيرة بالإنتاج ليس على مستوى الموسيقى فحسب، فبالإضافة إلى أنها سجلت اسطوانتين أساسيتين في تلك السنة هما» صرخة الأرض» و» عيد الميلاد مع مرسيدس سوسا»، شاركت كذلك في فيلم مستوحى من حياة خوسيه دي سان مارتن » قديس السيف» للمخرج المعروف ليوبولدو توري نلسون.
وفي عام 197 غنت» لحن ليلي لأرض المرء» مواصلة الغناء للحياة إلى أن تم اعتقالها في تلك السنة أثناء عرض لها في مدينة » لا بلاتا»، وحينها بدأ النظام الديكاتوري يضيق الخناق على المثقفين والفنانين. في البداية لجأت مرسيدس إلى باريس ووصلت عام 1980 إلى مدريد.
بعد ذلك دخلت في وضع غريب بعض الشيء في علاقتها مع النظام الاستبدادي في بلادها، حيث كان يسمح لها بالدخول والخروج منها، لكن كان يحظر عليها الغناء. ولم تطأ قدماها خشبة مسرح أرجنتينية إلا مع قدوم عام 1982،وذلك قبل أن تحاول ديكتاتورة غالتيري استعادة جزر «لاس مالفيناز»، وهو الاسم الذي تطلقه الأرجنتين على جزر الفوكلاند، وحينها تحولت حفلاتها الموسيقية ال13 في دار الأوبرا إلى حدث ثقافي مناهض للديكتاتورية.
وتجسدت نتيجة تلك العودة المظفرة في عمل كلاسيكي شارك فيه العديد من الموسيقيين الأرجنتينيين وحمل عنوان» مرسيدس في الأرجنتين». بعدها عادت السمراء إلى مدريد وسجلت هناك اسطوانة» أناس مضهدون» ومن ثم عادت إلى بلادها بصورة نهائية. في نهاية 1983، سجلت اسطوانة أخرى اسمها» مرسيدس سوسا» واحتوت على عدد من أنجح أعمالها.
اتسمت تلك الفترة بانتشار موسيقاها على نطاق واسع جدا، موسيقى حبلت بالميثولوجيا وبعناصر مشتركة مع موسيقى ال«روك»، فسجلت» آتية لأقدم قلبي» و» قلب أميركي»، الذي غنت فيه مع ملتون ناسيمينتو وليون جييكو.
في عام 1991، وبعد عدة سنوات من عدم الغناء على مسرح مفتوح، عادت مرسيدس لتلتقي بالحشود التي تحبها في ملعب كرة القدم » فيرو كاريل أويستي. وكانت تسعينيات القرن الماضي سنوات حصاد.
فتمت تسميتها عام 1992 المواطنة السامية لمدينة بيونس أيريس، كما كرمها مجلس الشيوخ الأرجنتيني عام 2005 ومنحت جائزة» سارمينتو» وحصلت على عدة جوائز «غرامي اللاتينية وجوائز» غارديل» وكانت شخصية العام في دورة 2008 من جوائز» كلارين». في السنة الماضية، وبعد أن استعادت عافيتها، عادت للغناء وتوجت ملكة من جديد في كوسكين، وعلى الرغم من أن التعب نال من صوتها قليلا إلا أنه ظل مؤثرا ولم تتوقف عن الغناء حتى قال القلب كفى.
سوسا في سطور
ولدت المغنية مرسيدس سوسا في سان ميغيل دي توكومان عام 1935 . سجلت حوالي أربعين اسطوانة بصوتها الخالد وشملت أغاني مثل » شكرا للحياة»، كما غنت لأهم مبدعي الأغنية الشعبية الأميركية اللاتينية مثل أتاهوالبا يوبانكوي وفيولوتا بارا ولموسيقيين لل» روك» مثل فيتو بايز وذلك في اسطوانة» آتية لأقدم قلبي»، 1985، وتشارلي غارسيا » وفاء رفيع»، 1997،. أسطوانتاها الأخيرتان » » مغنية 1» و» ومغنية2» تحتويان على غناء ثنائي مع عدد من أهم مطربي أميركا اللاتينية مثل لويس ألبرتو سينيتا وتيريسا بارودي وشاكيرا وغاتيانو فيلوسو.
من ألقابها
كانت مرسيدس سوسا رمزا لحركة تجديد الموسيقى الفلكلورية ذات البعد السياسي، وكانت تلقب ب«السمراء» بسبب شعرها الطويل الكهرماني الأسود وب«صوت الأغلبية الصامتة» لقيادتها حملات النضال من أجل الفقراء والكفاح من أجل الحرية السياسية وب» أم أميركا» وب» صوت الأرض» من بين ألقاب أخرى.
كلمات قالتها شاكيرا في رحيل المغنية السمراء
إن» سوسا كانت فنانة مذهلة وآسرة للقلوب وكانت تتمتع بأجمل الأصوات وكانت ذات قلب يتعاطف مع جميع الذين يعانون في هذا العالم»، وكلمات شاكيرا هذه ليست غريبة ولم تقلها من باب المجاملة أو المبالغة، فلقد جمعتهما علاقة دافئة توجت بغنائهما المشترك في » المغنية»، كما أن المغنية الكولومبية أكدت أن » سوسا تركتنا مع ذكريات تواضعها في المظهر وضياء كلماتها وحنان مشاعرها الدافئة».
باسل أبو حمدة

