تعتبر الروائية التونسية هند الزيادي أن الآفات الاجتماعية، وكل أمراض المجتمع تتغذى وتكبر بالصمت، ولذلك اختارت في روايتها الأولى أن تقترب من المناطق المحظورة، كاشفة بذلك خور بعض الأسر العربية التي تعاقب الفتاة إن كانت ظالمة أو مظلومة، مستمدة مادتها القصصية من واقع عاشته بنفسها من خلال عملها في إحدى الجمعيات الخيرية.
ضحى السعفي
هند تعتبر أنها تحدثت عن قطرة في بحر كبير من الآفات الاجتماعية التي تهدد حياتنا النفسية السوية، وروايتها الأولى «الصمت» ما هي إلا الخطوة الأولى في عالم الرواية وهي تستعد لفتح أبواب أخرى مغلقة تحت ستار العيب والحرام، حول الضجة التي أثارتها روايتها الأولى وظروف كتابتها التقيناها وكان هذا الحوار:حدثينا في البداية كيف راودتك فكرة كتابة الرواية؟إن أي مبدع مهموم بالكتابة لا يستطيع أن ينقطع عن التفكير فيما يمكن أن يكتبه أو في موضوع يطرحه على القراء، وذلك كان شأني، ففي البداية أحسست أنني يجب أن أكتب رواية، لم تتحدد ملامحها. وكانت تعتمل في داخلي لعدة أشهر دون أن أكون قادرة على تبين ملامحها لكنني بعد فترة عشت تجربة خلاقة جميلة تمثلت في انضمامي بصفتي متطوعة إلى إحدى الجمعيات الخيرية التي تعنى بالصحة النفسية للأسرة مع التركيز على المرأة، أماً كانت أو زوجة أو بنتا أو أختا .
ومن خلال تواصلي مع المواطنات أو الآنصات لمشاكلهن بدأت الفكرة تتوضح تدريجيا في داخلي، كانت هذه بداية الرواية ككيان مستقل عني واضح المعالم نسبيّاهل كتبتها بناء عن تجربة شخصية عشتها من قبل؟ التّجربة الشخصيّة المقصودة هي تجربتي في الجمعيّة الخيرية التي مكّنتني من اكتساب ثقة الواردات الينا طلبا للمعونة وعلّمتني فنّ الإنصات لهمومهنّ قبل توجيههنّ إلى المختصين، كنت أسمع هذه الحكايا تتردّد من هذه أو تلك وكنت أسمع وأقرأ في وسائل الإعلام عن الضّحايا المحكومات بقانون الصّمت إلى أن فاجأتني يوماً إحدى تلميذاتي بعرض نفس القضيّة علي وكانت هي ضحيّتها واختارت الأم صفّ الأب، كتبت الرّواية استنادا إلى بعض الوقائع طبعا ولكن هذا لم يمنع أن أجتهد في خلق عالم روائي خاصّ ضروري لكلّ عمل فنّي يأبى أن يكون نسخة مطابقة للواقع.
حاولت بروايتك أن تكسري حاجز الصمت والكشف عن خبايا كثيرة في المجتمع هل أستطعت تحقيق ما تريدينه؟
من بين مشكلاتنا نحن العرب ـ حسب رأيي ـ أنّنا نفضّل دائماً أسوأ حلّ للقضايا التي تحيط بنا وتفترسنا «التّجاهل» واترك حلّها للأيّام «والأيّام لا تحلّ شيئا، فالإنسان إذا ما تصدى لقضاياه بطريقة شفّافة صحيّة، واختار أن يراها بدل تجاهلها أكيد أن مجهوداته ستثمر، ولكنّنا أمة اختارت دوما أن ترمي مآسيها على الآخرين، فالغرب وحده هو المسؤول على ما نحن فيه، وهو العدو المتربّص بنا دائماً، أمّا دورنا نحن، فهو «موضوع مؤجّل ليوم القيامة» كما قال الشّاعر أحمد فؤاد نجم.
هنا بودّي أن أبيّن أهمّية الجمعيّات التطوّعيّة في المساعدة على الرّقي بحياة النّاس فالحكومات وحدها لا تستطيع الإلمام بكلّ شيء وعلى المواطن أن يكون عنصرا فاعلا يبحث عن الحلّ ولا ينتظره يعي بقيمة انتمائه ويفخر به ولا ينتظر العصا السّحرية التي شبعنا منها في الخرافات.
كم من الوقت استغرقتك الرواية؟
ستندهشين إذا قلت لك إنّ الرّواية استغرقت أكثر من أربع سنوات، فقد كتبتها على فترات متقطّعة بحكم إلتزاماتي العائلية فأنا أمّ وزوجة وربّة منزل ولكنّ في نفس الوقت أعمل أستاذة للغة العربيّة وأواصل أبحاثي الإتنوسينولوجية لنيل شهادة الماجستير في الفنون المرئيّة لذلك لم يكن من السّهل أن اكتبها بجرّة قلم.
نلاحظ أنك كتبتها بلغة سينمائية هل هناك نية لتصويبها بطريقة سينمائية؟
فعلا لقد حرصت على أن أكتبها بطريقة سينمائية بمعنى أنّي التزمت بالدّرجة الصّفر من اللغة، وكان كلّ مجهودي مركزا على صناعة الصورة ونحتها بطريقة تستفزّ القارئ، وذلك لعدّة أسباب أهمّها رغبتي الشّديدة في تعرية الواقع وإرغام الجيل الجديد الذي ينفر من الكلمة على المطالعة من خلال استدراجه إلى أمر يهواه هو الصّورة خاصّة أن دراستي الحاليّة هي كلّ مجالات الفنون الفرجويّة.
بالإضافة إلى إنّ حلمي الأساسي هو أن تتحوّل الرّواية إلى شريط سينمائي تخرجه المخرجة المصريّة العبقريّة إيناس الدّغيدي، وبالفعل بعد نشر الكتاب في تونس ونجاحه قمت بإرسال نسخة منه إلى إيناس الدغيدي وأعجيت بالكتاب وقالت إن الموضوع جرئ ولم يتعرض له أي كتاب عربي في السابق بهذه الطريقة ونحن في مرحلة القيام بالإجراءات القانونية التي تتعلق بتحويل القصة إلى فيلم روائي.
لماذا طبعتي القصة في لبنان وليس في تونس؟
هو سؤال إجاباته عديدة على ما اعتقد، ففي تونس ليست لدينا بعد تقاليد في التّعامل مع المواهب وسأخبرك بمدى شعوري بالإهانة عندما أحمل روايتي إلى أكثر من ناشر، ويكون جوابهم هو نفسه: أعطينا مبلغا ماليّا وسنطبع لك أوراقك وتكفّلي أنت بالبقيّة إذ كيف سأعرف جودة منتوجي الأدبي إذا كان كل صاحب مال يمكنه أن «يطبع» أوراقه؟؟ لكن عندما توفّرت الفرصة وعرضت ملخّص الرواية على النّاشر في لبنان قبل نشرها دون تردّد، بل أكثر من هذا، لقد صبر علي إلى أن انتهيت من تجويدها وذلك لإيمانه بقيمة الرّواية والقضيّة التي تطرحها.
هل تلقيت الدعم من جهات معينة؟
أوّل دعم كان من الله -سبحانه وتعالى - الذي أمدّني بالقوّة والشّجاعة لطرح هذه القضيّة الجريئة وسط كمّ المشاغل التي أعيشها، أمّا الدّعم الدّنيوي فكان من زوجي العزيز الذي ساندني وتفهّمني وكان خير مشجّع لي، ومن والدايّ الذين غمراني بحبهما ومن إخوتي جميعا.
إلى أي مدى تشعرين أن موضوع التحرش الجنسي موجود في العالم العربي؟
من الغباء الإدعاء أنّ هذه الظاهرة غير موجودة في العالم العربي لكنّها ليست حكرا علينا بل هي آفة عامّة في كلّ الحضارات والأزمنة، ولو لاحظت فقد تعمّدت إسقاط أية إشارة زمانية أو مكانية للأحداث في روايتي حتى لا تكون المسألة مرتبطة بشعب دون غيره، المشكلة الحقيقية تكمن في العقليّات.
ففي الغرب تعلّموا أن يطرحوا هذه المسائل بشفافيّة من أجل مساندة الضّحايا وإنقاذ حياتهم من ما يمكن أن يلحقها من دمار، كذلك من أجل حماية المجتمع من معتدين محتملين في المستقبل،أما نحن فمازلنا نتعامل مع الأمر بعقلية «عيب» «حرام خلال الرواية لاحظنا أنك ركزت على الفتاة فقط في تناول موضوع التحرش الجنسي مع أن الصبي يمكن أن يتعرض كذلك لهذا الموضوع؟
المؤسف أنّ الطفولة كلّها مهدّدة، فهذا النوع من الجرائم لا يفرّق فيه المعتدي بين الفتاة أو الولد، لكن الفتاة هي الأكثر عرضة للدّمار النفسي نسبيا نظرا لما يحيطها به المجتمع من احتياطات مشوبة دائماً بالتوجّس والشّكوك، يكفي مثلا أن نتّكّر المثل الشعبي الذي يقول إن شرف البنت مثل عود الكبريت لا يشتعل إلا مرّة واحدة،لا ننسى كذلك ما حفّت به الحضارة العربيّة مسألة الشرف عند البنت من قداسة وصلت إلى حدّود الوأد مخافة أن تسبى في الحرب بين القبائل وتلحق العار بقومها.
التحضير للجديد
تقول هند الزيادي إنها مازلت في مرحلة الرّاحة من مخاض الكتابة، وتلقّي ردود القرّاء على روايتها وتسعى إلى تحويلها إلى شريط سينمائي، لكن الأكيد كما تقول مضيفة: بدأت أشعر بأطياف غير محدّدة المعالم لشخصيّات الرواية القادمة تتملّكني وتحاول لفت انتباهي إليها. علما أننّي بدأت الكتابة منذ سنوات عدّة ولي نتاجات سابقة لم تجد من ينشرها منها الرّواية الإجتماعية «السّجينة» التي ترتقي في مستواها إلى رواية «الصّمت».
اختيار المكاشفة
تؤكد هند الزيادي أن المخرجة المصرية إيناس الدغيدي فنّانة قد نختلف معها في بعض مواقفها أو آرائها ولكن الأكيد أنّها مستفزّة وجريئة في تعرية الخور الذي يعانيه المجتمع العربي وأجد نفسي مشتركة معها في رغبتنا المتمثلة في اختيار المكاشفة والاعتراف بالمشكل بدلا من تجاهله والإدّعاء أنّ المجتمع العربي هو مجتمع الفضيلة، وأنّ كلّ شيء فيه على ما يرام لا يمكن للأمّة ما أن تأمل في مستقبل ما لم تصفّ حسابها مع ماضيها فتنتقي منه ما يشرّف وتطرح عنها ما لا يوافق سنّة الحياة ويدفعها إلى الأمام.


