للدرج باع طويل في مسيرتنا الحياتية بالجملة، ونحن ننتقل من حالة إلى أخرى، نعيش ارتقاء أو انحداراً، تقودنا خطانا أو نستحثها بالتناوب! إذ بين درج العمر، ودرج الحياة حوار لا ينقطع، له صداه المتتابع صعوداً وهبوطاً.

الدرج ليس ارتقاء، أو تدرجاً، إن انطلقنا من معنيً ما للمفردة ذاتها، إنما يكون مفهوماً مكانياً، وعلى هيئة معينة تنوعاً وتعدداً، وهو تذوقي واعتباري بالمقابل، يتفعل داخلاً مثلما يكون له مجاله الحيوي والدلالي المحروس خارجاً، ونحن نتذكر هنا درج البيت الأثير، والمدرسة، ودائرة العمل.

الدرج هذا ماثل أمام العين، لأن من المستحيل على أي منا نسيان ما كان عليه وهو في بداياته (درج الطفولة)، وللدرج هنا بالذات حكاياته الكبرى في سحرها ومفارقاتها، والحديث الممكن الاسترسال فيه بصدد المقاومة الضارية على مستوى جسد الطفل، وهو يحاول ارتقاء الدرج، أي صعوده بأطرافه الأربعة في حركات مبذولة لا تخلو من إصابات أو عوائق.

حيث يسهل التنويه بذاكرة الدرج الخاصة، وكيف أن توخّي الهبوط بحذر ، وبشكل أدق: فعل الصعود والمؤمَّل منه، يمثل التحدي الأكبر له، أي يشكل سلسلة الاختبارات النفسية والعضوية لجسده الغض، ومقياساً لمدى اجتيازه لدورة طفولته بداية.

وقد اكتسب ثقة الأهل واقعاً متحكماً بحركاته تلك، لما يتطلبه الدرج من مرونة محكمة في الحركة وتقدير المسافة ووعي المكان، وحين يأتي الانتقال إلى درج تال أكثر احتواء بالتحديات، باعتباره يجمع بين وجوه مختلفة من ذات العمر ليكون الدرج في اسمه حقلاً هائلاً لاختبار قوى المشاركين، إنه الدرج الذي يعايَن خارج البيت تنافسياً، حيث يتنوع الأفراد، ولكل منهم ألوان درجه وأجناسه ومسيرته الجزئية والختامية، بما أننا نعتبر التدرج والإدراج وبالتدريج والدرجة والدارج، أوصافاً متعلقة بأنشطتنا في طبيعتها المختلفة والمردود منها...

والحديث عن الدرج في عالم اليوم، يضعنا في مواجهة أجيال موصوفة منه، تحت تأثير التقنية، ومن ذلك: الدرج المتحرك، وتأثيره في البنية النفسية والجسمية للإنسان، وفي مدى طواعيته لمحيطه، وتفاعله مع المحيطين به، وفي الوقت ذاته، في جانب من التوحيد بين مختلف الأعمار والفئات، من خلال الصعود والهبوط الآليين.

لكن ذلك لا يلغي صلتنا الطبيعية والشّعرية الطابع بالدرج، معايشتنا اليومية والمتفاوتة له، إذ من النادر التحرك في عمل ما، أو نشاط معين، دون بذل الجهد من خلال صعود درج أو هبوطه، وفي عالم المدينة، وحتى خارجها في جهات شتى. إن صعود السيارة أو النزول منها لا يبعدنا عن عالم الدرج وكيف أننا في الحركة نمارس اختبار جهد، كيف أننا نتأكد من درجة الخفة في الحركة أو ثقل الجسم، أو مدى التحكم فيه، عبر آلية التوازن المؤثرة.

إن الدرج يشكل المائل المطلوب على أرض الواقع، وربما الأوحد في حياتنا، وبرغبة منا، وتبعاً لحاجتنا إليه، ومستوى نظرتنا إلى الحياة، وطبيعة أعمالنا ودخولنا من جهة الميلان في البيت الواحد، أو ضمن مجموعة سكنية مسبقة الصنع مثلاً، أو مدينة لها نظامها الهندسي أو تقاليدها الخاصة في العمارة، وكيف يتم التفنن في «صناعة» أو «تركيب» الدرج المائل ضمن مسافة معينة(بين طابقين)، أو المتقطع (من خلال الالتفاف)، أو الحلزوني، تبعاً لمقتضيات المكان، وذلك داخل المبنى ونوعيته ومن يملكه، وكيفية رسم مسار الدرج باعتباره خدمياً.

لا ينفصل الدرج عن الإنسان! فهو مثقَل بالعلامات التي تعنيه في عمره وجنسه وثقافته وميوله وأهوائه وصحته، إلى درجة أنه يمكن القول بسهولة: إن الدرج مقياس ضبط اجتماعي، مثلما يكون مختبر قوى جسمية.

ثمة من يخاف صعود الدرج، من يتأنى صعوداً، وأكثر من ذلك هبوطاً، مراعياً وضعه الصحي، وكذلك مكانته، اعتماداً على طبيعة الدرج، إنه كاشف قوى وحتى مرمّز لها، لأنه في الأصل معرَّف به إنسانياً وثقافياً.

وفي الدرج يحضر التدرج المتنوع في مقاماته أو فنونه، ذلك الذي يقود المرء صوب عالم آخر، عالم تحقيق الرغبات، كما هو عالم المواجهة المكشوفة مع المحيط المادي والاجتماعي والذاتي، إنه توق إلى الصعود مهموز بطموح، وربما بهوى طموح لا يخلو من نزعة تباه بالذات، لا يمكنه التستر عليه من خلال مناخ الدرج وما يتطلبه صعوده من جهد مركَّب، واستبيان للمعلومات الفعلية، حيث لا يعود الدرج وسطاً مادياً حيادياً، بقدر ما يتراءى فيه جانب المباغتة، كما هو جانب الغفل في المتباهي بذاته.

إن الدرج أكثر من كونه ثابتاً في مكانه، لحظة التدقيق في بنيته، والذين يتعاملون معه، وكيف تتداخل أهواؤهم وتتباين خطواتهم وأنفاسهم طبعاً.

إن الدرج كمعطى مكاني، وهو يتحرك بدرجات شديدة التفاوت، تتراوح بين أقصى الانحدار صوب القاعدة الأرضية (في الزاوية الحادة)، وأقصى الارتقاء صوب القمة (في الزاوية القائمة)، وشديدة التفاوت في الامتداد أو المدى الطولي والعرض، يظل أداة قياس مذهلة للتعرف إلى من نعيش وإياهم وظائفَ وعلاقات.

تقتضي الحكمة هنا، كيفية التعامل مع الدرج، من خلال اعتراف دائم، ولو ضمنياً بإمكاناتنا وقدراتنا، بالعمر الذي لا مهرب من حسابه الجاري فينا لنؤمّن صعوداً سليماً، ونتجنب الانزلاق أو السقوط المدوي جرَّاء فقدان توازننا!

إبراهيم محمود