السفن والبحارة واللؤلؤ والمجاديف والأشرعة والوجوه السمراء والموج والأهازيج والرقص والغناء، الأسفار الطويلة، الكادحون والتجار، الدكاكين الصغيرة ذات الأبواب الخشبية، ضجيج المارة، وهمس الليالي في الأحاديث الجانبية والصراع الدائم مع مجهول، منمنمة تسرد حكاية «زمن الغوص»، أو عراك الحياة على شواطئ خليج اللآلئ.
كما يلقب في الكتب والمراجع القديمة، حياة مفعمة بالتفاصيل المختلفة، حينما نستحضرها اليوم لا يتسنى لنا إلا مشاهدة صورتها المتحفية، فنحن لم نعد نواصل اقتلاع محار اللآليء من قاع الخليج كما كان آباؤنا يفعلون، وبحكم أن هذه المهنة بثقافتها قد زالت راكمات مشابهة.من المؤلم القول ان اهل الخليج تعرضوا لنقلة ثقافية خطرة ومثيرة، أتت على كل شيء، وهذا يجعل الكثير منهم مصابا بداء الحنين، يتذكرون ماضيهم بشيء من الحسرة، ويصرون على انه الزمن الجميل، بالرغم من ان حياة الغوص على اللؤلؤء وامتهانها طلبا للرزق، لم تكن بذلك الجمال ولا بتلك السهولة واليسر، بل بالعكس، كان الأمر تحيط به المخاطر والهلاك.
والترحال في الغياب المجهول على ظهور سفن قدرها الريح، كان على الرجل «الغواص» ترك نسائه وأطفاله على اليابسة للولوج في فضاء الماء، المصير المجهول والكد والكدح والتعرض لأشعة الشمس الحارقة لساعات طويلة، الاقتراب من مخاطر الأعماق ووحوشها، النظام الاقتصادي، قهر الدين والقبول المطلق لمنطق الإقطاع، فتحت هذه الشروط يتم امتهان الغوص على اللؤلؤ الثمين، لؤلؤ الأعماق والظلمات، ومقاومة الاختناق تحت ضغط الموج والقيعان الساخنة الخطرة..فنظام الأجور وحساب الأرباح والخسارة، بشيء بكثير من ملامح الإقطاع وهو ما جعل حياة الغواص حياة مريرة، فبنية اقتصاد الغوص يمكن القول عنها بنية تضغط فيها القمة على القاع ضغطا مهلكا، فالغواصون الذين يرتهنون ويرهنون مصائرهم بيد تاجر اللؤلؤ، يسلمونه أنفاسهم تحت وطأة الدين المقدم مقابل أكياس صغيرة من الأرز والقمح والعدس، حيث يذهب هذا الغواص ليسلم قواه الجسمانية دفعا لدين صعب..
ومن هذه القسوة ترك لنا الغواصون اليوم في الذاكرة المتحفية بعض من ملامح الألم والعزيمة أيضا، فهم أيضا ومع هذا أنتجوا ثقافة وفكر وتركوا لنا شيئا من الجمال.. اليوم حينما نشعر بالحنين لأيام غوص اللآليء نذهب إلى المتاحف، أو نلتقط وريقات في كتاب نقرأ منها اندياحات ذلك الزمن الغابر أو نعبر بجانب لوحة زيتية تحكي سيرة البحر عند أهل الخليج.. فكثيرة هي الأشعار التي ترصدت تلك الحياة المعقدة.صيد لؤلؤ الخليج الذي قالت عنه بعض مصادر التاريخ إلى انه يعود إلى أزمنة غابرة، بسط ثقافته على النساء والأطفال قبل الرجال، فالإعلان عن رحلة ستقل أكثر من خمسين شخصا من رجال الحي تعني أيام من مآسي الفراق، فأنتج الغوص طفولة تقابلت مع مصيرها المر، فالطفل يشب باكرا ويتقمص أساليب الرجال قبل ان تكتحل عيناه بألوان قوس قزح.
وقبل ان تنطلق قدماه نحو الرحب من الحياة.. أم أمه فلن يرعبها شيء أكثر من تلك اللحظة التي يطلب منها ان تجهز ابنها الصغير لذلك المجهول، مثلها الشيخ العجوز الذي ينتظر على شاطئ البحر عودة سفينة تقل أبناءه ولكنها تأتي أحيانا صامتة لا من مواويل ولا من غناء تجر مجاديفها بطريق جنائزية، فيدرك العجوز أن أحدا سيعطيه لفافة قماشية وجملة صغيرة ودعاء لتحمل مرارة الصبر على من رحل ومات، فكثيرا ما تفقد تلك السفن الخشبية ذات الأشرعة احد من أفرادها فيرسل جثمانا إلى قاع البحر.
لم يكن زمن الغوص الذي نعشق أن يعود اليوم جميلا وحاملا للمسرات، ففيه الكثير من الخسارات في سبيل اللآليء التي تجلب لتزين عنق جميلة على الساحل، أو ترحل مع السفن التجارية إلى أسواق أوروبا وصانعي المشغولات، فكيف للذي حمل تلك اللؤلؤة في يديه التي تشققت وأدمت من جراء اقتلاع المحار من كبد البحر، لؤلؤ ثمين بجوار بطن يطعنه الجوع. لؤلؤة فوق عنق فتاة أو سيدة مغمورة ومخفورة بالدفء تطلق القهقهات في قصور باريسية..بين ذلك الوجه المالح وتلك الوجوه الغضة النظرة!!
عطاء في الخسران وخسارة مفترسة.. لم يكن زمن الغوص سارا لغواص يقتلع ثمن إفلاسه در نادر.. لم يكن زمن الغوص هادئا ولا منصفا لصاحب الأعماق والمخاطر..مع هذا نحبه ونمارس تخيله كلما أردنا التجدر بقصد أو دون قصد.
ربما يكون الشاعر الكويتي محمد الفايز العلي ( 1938 _ 1991 ) من أكثر الشعراء والأدباء والمتقصين لألم غواص الأعماق، فهذا الشاعر قدم للغواص الخليجي ملحمة شعرية تلخص الانشطارات الدقيقة لتك الحياة الشائكة، والفايز من الشعراء الذين أسهموا في التجديد الشعري في الساحة الكويتية، اقترب من البحر وعاش حياة الغواص ونظم مذكرات تلك الالتقاطات بنسيج ملحمي تحت عنوان «مذكرات بحار»، هي الابلغ شعرا حتى الآن على صعيد الساحة الخليجية.
ولد الفايز في مجتمع ما قبل النفط، وعاصره حقبة من حياته، ولكنها حقبة التغير الاجتماعي والاقتصادي في الكويت، فقد عايش هموم من سبقه وأحاديثهم عن الغوص والسفر وفقر الحياة، وشهد ثورة النفط وانقلاب وجه تلك الحياة.
وعبر تلك المذكرات التي تمتد إلى عشرين مذكرة، مثلت كل مذكرة منها وجها من وجوه مأساة البحار. ولشفافية الشاعر الفايز فقد تناولتها كثير من الدراسات والبحوث حيث يصنف واحدا من جيل الشعراء الوسط والمجددين في الكويت. يقول الفايز:
«الشمس فوق السور تشرق مثل قنديل كبير
تهدي خطانا مثلما كنا على ضوء النجوم
في الليل نسري عبر هاتيك البحار
أيام كنت أعيش في الأعماق.. أبحث عن محار
لقلادة..أسوار حسناء ثرية
في الهند. في باريس .. في الأرض القصية
أيام كنت بلا مدينة
وبلا يد تحنو علي ولا خدينة
الا حبالي والشراع
ويدي المقرحة الأصابع والضياع
والريح . والأسماك في القاع الرهيب
تطاردني بعالمها الغريب
عن عالمي القاسي العنيف..»
بقت الثقافة الشفاهية حاملا رئيسيا لكثير من نتاج الإنسان، والتدوين قليل واعتمد على منجزات شخصية، فالنهضة التي جاءت بها مرحلة النفط وتشكيل الدولة أزاح الاهتمامات إلى أشياء أخرى، كانت حاجة، حيث كانت المفارقة ان توريد شحنة من الحديد، او شحنة من الاسمنت أهم بكثير من تشكيل طابور من حراس الثقافة والفكر والتراث..فأهملت تفاصيل دقيقة من تلك الحقبة، وانتبه إليها متأخرا جدا، وكان السباق مع إنسان تلك المرحلة التي شاخ وهرم وبدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة..
حيث لم يكن في الخليج سوى مركو واحد هو مركز التراث الخليجي الذي كان مقره قطر، عمل وبحث في مسائل جمع ذلك التراث الشفاهي، وبالرغم من النوايا الطيبة، إلا الطاقات والإمكانات كانت قليلة ولم يكن التسجيل ونقل الصورة واضحة بذلك الوضوح.. حمل الغوص على ربابة الروي الشفاهي، حيث بقى نفر من الذين عاشوا تجربة مجتمع الغوص يحكون ويروون الحكايات..
ينشد الفايز :
«يابحر. ياقبرا بلا لحد ويادنيا عجيبة
أجتاز عالمها المخيف بروح البحار كئيبة
أبدا يغني للسواحل والعيال
يترقبون قدومه بعد المحال
ويعود من رحلاته كيما يعود
للبحر والأسفار . والدنيا كفاح
ضد المجاعة والرياح
الجوع فوق الأرض والريح الخؤونة في البحار
وتظل زوجته هناك بلا سوار
وبلا قلادة
في بيتها الطيني حالمة وحيدة
سيعود ثانية بلؤلؤة فريدة
ياجارتي سيعود بحاري المغامر
سيعود من دنيا المخاطر
ولسوف تغرقني هداياه الكثيرة
العطر والأحجار والماء المعطر والبخور
ولقاؤه لما يعود كأنه بدر البدور
وتظل تحلم والحياة
حلم يجول بلا نهاية
وبلا بداية..»
لم تقدم دراسات اجتماعية ونفسية عن تلك الحياة وذلك المجتمع الذي عاش فوق ظهور السفن وسكن نهارات الأعماق في البحار، وما تبقى مجرد التقاطات، دفعها الحنين، في رحلة الشقاء هذه لا يحلم صياد اللؤلؤ بأكثر من قليل من الخبز لعياله، وقطعة قماش زهيدة الثمن من قطن الهند أو حريرها يحملها إلى زوجته، تلك التي قد تكون أكثر جمالا ورومانسية من أميرات القصور. يستمر الفايز في ذلك الرصد على جناح مذكراته منشدا:
«..والشمس والأقمار تُشرق فوق كوكبنا الكبير
وأنا هنا في هوة الأعماق كالحوت الصغير
فكأن هذي الشمس ما كانت . ولا كان الصباح
إلا لغيري. والقناديل الصغيرة
أبدا تضاء بغير بيتي والحدائق والأقاح
في حقل غيري . والرياح أبدا تطاردني على ظهر السفينة
والموت والحوت اللعينة..»
هذه الملحمة التي سطرها شاعر الكويت الفايز، ما زالت هي التي يتعلق بها جيل من الشباب المهتمين، لأنها الرصد الأقرب، والأغنية الحزينة التي تقصت ذلك الضياع وذلك التيه الذي عاشه الغواض، وحياته بوجوهها المختلفة..
أما بقية أرشيف حياة الغوص فقد اختزلته المتاحف الوطنية في اغلب دول الخليج، ومنها متحف دبي الذي يتجسد فيه الغوص على اللؤلؤ عبر جناح صمم اعتمادا على المواد الشمعية، حيث تظهر تلك التماثيل تفاصيل البحارة والغواصين، وزنودهم السمراء التي أحرقتها أشعة الشمس.. ومنها متحف الشارقة البحري وهو احد متحف تم افتتاحه مؤخرا في الإمارات في منطقة الخان، ويضم بين جدرانه سيرة البجر من سفن ورحلات وأدوات تفصل لمجتمع البحر والبحارة وسماسرة اللؤلؤ وتجاره..
حيث تحول التعاطي مع حقبة زمنية مليئة بالتاريخ والحياة والمنجزات والألم والروايات والقصص والأشعار والحكم والأمثال إلى صور ومجسمات..
ومن المتحاف الى المناشط، يبقى الغوص حاضرا، ففي معظم دول الخليج تنظم مؤسسات رسمية وأهلية مهرجانات للغوص تستعيد فيه ذلك الماضي ولكن بروح مهرجانية، إلا أن السبر والبش الدقيقين في تلك الحياة لم يأخذ مكانه، وإنما ما سجل وما دون هو كتابات مغلفة وموشاة بالحنين، وبعضها دفعته التقريرية إلى الرصد السطحي..فيما البحث السيكولوجي مخبئا خلف تلك السنين التي ذهبت.
في السينما الخليجية كانت أول استعادة سينمائية حققت للكثيرين ممن لم يعايشوا تلك اللحظات العصيبة على ظهور السفن المهاجرة للمجهول في عرض البحر فرصة الاقتراب الفيلم السينمائي الذي قدمه خالد الصديق، ولخص فيه الحياة الاجتماعية والاقتصادية في زمن الغوص، ففيلمه «بس يا بحر» الذي كتبه المؤلف الإماراتي عبدالرحمن الصالح، وأول مؤلف خليجي أيضا يتصدى لتفاصيل تلك الحياة ومآسيها، شكل مقاربة ثمينة وللذين يشاغبهم الفضول إلى اكتناه أسرار حياة الآباء والأجداد.
ولم يكن سهلا إنتاج فيلم سينمائي في تلك الفترة وفي منطقة الخليج التي كان الحال الفني فيها ما زال يخطو خطواته البدائية، وبالرغم من ذلك فإن رغبة الصديق بالتأكيد جاءت من حاجة ملحة لإبقاء صورة حية عن حياة الغواص.. ففيلم «بس يا بحر» يشبه بالدرجة الأولى الترصدات الشفافة لملحمة الشاعر الكويتي الفايز في تلك الملحمة، وما زال هو الفيلم الأول والمرجع المرئي الأول بالرغم من أن أفلاما تسجيلية رصدت شيئا من تلك الحياة..
محمد الفايز حكاية مع البحر
ولد الشاعر محمد فايز العلي في الكويت القديمة العام 1932م، وتعلّم تعليما أوليا تقليديا، وقد تفتحت موهبته الأدبية منذ سن الخامسة عشرة، بقراءته عيون الشعر العربي القديم، ثم بدأ كتابة القصة القصيرة، واكتشف في العام 1962م أن أغلبية جمل قصصه كانت موزونة إيقاعيا، كما في قصته البحار المنشورة في جريدة الرسالة، ومن ثم تحوّل إلى كتابة الشعر، ورحل عام 1990م بعد تحرير الكويت من الغزو العراقي بيومين. من دواوينه «مذكرات بحّار»، «النور من الداخل»، «الطين والشمس»، «رسوم النغم المفكر»، «بقايا الألوان» «لبنان والنواحي الأخرى».
مرعي الحليان



