«التمرّد الهندي الكبير»، هذا هو عنوان الكتاب الأخير للباحث الفرنسي المختص بشؤون أميركا اللاتينية ايف لوبو. والمقصود ب«التمرّد الكبير» تلك الحركة التي برزت خلال العقود الأخيرة في أميركا اللاتينية ويشكل الهنود، من أبناء البلدان الأصليين، محرّكها الرئيسي.

ولا يتردد المؤلف في القول إن هذا التحرك الهندي الأحمر قد غيّر كثيرا من صورة أميركا اللاتينية. وهذا ما يشرحه على مدى عدة فصول يتعرّض فيها ل«البروز الهندي» ولما مثّلوه من «انعطاف تاريخي»، ودراسة العلاقة بين «الهوية والعنف» و«التعددية الثقافية» وأخيرا «الهويات والعولمة».

ويرى المؤلف أنه كما جسّد صعود باراك اوباما، الأميركي الإفريقي الأصل، ذروة معركة السود في أميركا الشمالية «الولايات المتحدة الأميركية»، فإن تحرّك الهنود في أميركا اللاتينية شكّل هو الآخر صعودا آخر لمجموعة بشرية كان قد جرى العمل على تهميشها.

وينبغي التأكيد منذ البداية أن الهنود الذين يشكّلون محور هذا الكتاب ليسوا أبدا مأخوذين ب«نزعة الحنين إلى الماضي» التي قد تشدّهم إلى الوراء، ولكنهم يريدون أن يكون لهم وجودهم، ودورهم، في عالم ينتمون إليه أيضا مثل بقية المجموعات البشرية الأخرى. وهو عالم تسود فيه قوانين السوق في ظل العولمة وما رافقها من ازدهار ومن أزمات، كان آخرها الأزمة المالية العالمية التي لا يزال العالم يسير على إيقاعها.

وتتمثل إحدى الأفكار الأساسية التي تتردد في هذا الكتاب بالقول أن البروز الكبير الذي عرفته المسائل ذات الطبيعة الثقافية أو تلك المتعلقة بمسائل الهوية والانتماء العقائدي لا يترافق ـ أي البروز ـ بالضرورة بأشكال جديدة من العنف.

وهكذا كان بروز الحركات الهندية في أميركا اللاتينية قد جرى بالطرق السلمية وغيّر صورة البلدان المعنية من مجرّد دكتاتوريات عسكرية ذات طبيعة استبدادية إلى بلدان مارست التغيير في الفريق الحاكم عن طريق انتخابات ديمقراطية بعيدا عن كل أشكال حرب العصابات الثورية التي ازدهرت هي الأخرى في العديد من بلدان أميركا اللاتينية خلال العقود الأخيرة.

ومن خصائص الظاهرة الكبرى المتعلقة بالتحرك الهندي في أميركا اللاتينية هو أن الأمر لم يتعلق بمجرّد تغيير الأنظمة السياسية القائمة ولكن تعدّاه إلى تحرّك في العمق على خلفية رفض كل أشكال التمييز العنصري الموروثة من زمن «غزو الرجل الأبيض» واستئثاره بخيرات البلاد وسيطرته على العباد من أبناء البلاد الأصليين.

وبالتوازي مع المعركة التي قادها القس الأسود مارتن لوثركنغ، في شمال القارة من أجل نيل الأميركيين السود لحقوقهم المدنية ك«مواطنين» كاملي الحقوق والواجبات وصولا إلى التجسّد الباهر لذلك الحلم بوصول باراك حسين اوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، انتفض الهنود في جنوب القارة ب«تمرّد كبير» شاركت فيه مكوّنات عديدة، من أهمها النساء. لقد مارست المرأة الهندية نضالا حقيقيا من أجل التحرّر وساهمت في إنتاج مجتمع «جديد» متعدد الثقافات انتهت فيه الهيمنة «البيضاء».

وما يتم تأكيده عامة هو أن «التمرد الهندي» في أميركا اللاتينية كان موجّها قبل أي شيء ضد اللبرالية الجديدة الزاحفة التي تزيد من غنى الأغنياء ومن فقر الفقراء، وأيضا ضد جميع أشكال غياب الديمقراطية واستشراء ظواهر الفساد. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن بعض حركات «التمرّد الهندي» أخذت صيغة «شعبوية» مثلما جرى في بوليفيا مع اينو موراليس وفي الاكواتور مع رافاييل كوريا وفي فنزويلا مع هوغو تشافيز. ويعود المؤلف في هذا السياق إلى الحديث عن الحركات الثورية التي عرفتها أميركا اللاتينية خلال سنوات الستينات المنصرمة.

ويلقي هذا الكتاب الضوء على مجمل الحركات التي قام فيها أبناء بلدان أميركا اللاتينية الأصليين للتحرر من «الليل الطويل» الذي فرضته السيطرة البيضاء على الهنود. ويتم توصيف هذه الحركات أنها قامت كلها على نفس الأسس من «المابوش» في الشيلي إلى ال«اياماراس» في بوليفيا وال«كيشواس» في الاكواتور. إنها حركة اجتماعية واحدة حددت أهدافها في التحرر من سيطرة ثقافية واقتصادية وسياسية وعنصرية مستمرة منذ 50 سنة.

وكانت المنظمات «الهندية» الأولى قد قامت في منطقة «الأند» بالأمازون وأميركا الوسطى بشكل تعاونيات ونقابات. وقد مارست أشكال النضال لدعم مطالب الفلاحين وانخرطت في حالات نادرة مع المنظمات الثورية. أما اللقاء الشامل الأول و«العابر» فقد كان أثناء «مسيرات الاحتجاج» على الاحتفال بالذكرى ال500 لاكتشاف القارة الأميركية.

أما النجاحات الأولى فقد ظهرت في نهاية عقد الثمانينات الماضي عندما قامت عدة دول بإصلاحات دستورية جرى بموجبها «منح أراضي» للهنود والاعتراف ب«لغاتهم» وتأمين قدر أفضل من التربية والتعليم لأبنائهم. وبالتدريج اعترفت الدول بالتعددية الاثنية والثقافية للأمم اللاتينية ـ الأميركية. وكانت كولومبيا هي أول في المنطقة يقوم بتعديلات دستورية، ثم لحقت بها الدول الأخرى.

الكتاب: التمرد الهندي الكبير

تأليف: إيف لوبو

الناشر: روبير لافون باريس 2009

الصفحات: 365 صفحة

القطع: المتوسط