في هذا الكتاب الجديد «الازدهار السلبي» يتساءل الاقتصادي الفرنسي الشهير دانييل كوهن حول مخاطر العولمة بصورتها الراهنة. والملاحظة الأولى التي ينطلق منها هي تأكيد «أن الأزمة المالية العالمية التي انطلقت في خريف عام 2008 لم تعد تهدد «المنظومة» المالية الدولية ببنيتها، فهذا المستوى «البنيوي» قد جرى تجاوزه وبقيت الأزمة موجودة ك«أزمة» لا تزال آثارها قائمة وخاصة لا تزال «تقلّصاتها» تؤثر على النمو الاقتصادي لمختلف البلدان بدرجة لا مثيل لها منذ الحرب العالمية الثانية.

إن المؤلف يشرح الأزمة المالية العالمية وآثارها على النمو الاقتصادي سلبيا وإيجابيا في عصر العولمة من خلال ثلاثة أقسام يتألف منها الكتاب. ويخص الأول منها سؤال «لماذا الغرب»؟ ويعود المؤلف هنا إلى المسار التاريخي للعالم الغربي منذ بداياته الأولى وصولا إلى ولادة العالم الحديث وبروز القوانين الاقتصادية وفي مقدمتها قانون «مالتوس».ويحمل القسم الثاني من الكتاب عنوان: «الازدهار والانحسار»، ويشرح المؤلف فيه بثلاثة فصول، «النتائج الاقتصادية للحرب»، وما نتج عنها من تضاؤل دور الدول الأوروبية ليبرز دور القوتين العظميين اللتين سادتا خلال فترة الحرب الباردة، أي الولايات المتحدة الأميركية ثم فصل آخر عن «الأزمة الكبرى ودروسها» ثم فصل ثالث تحت عنوان: «العصر الذهبي وأزمته».

أما القسم الثالث والأخير في الكتاب فهو مكرس ل«عصر العولمة». ويبحث المؤلف في الفصل الأول منه «عودة الهند والصين» على أساس أن هذه «العودة» هي أكبر ثمار فترة العولمة وبداية خلق موازين اقتصادية عالمية جديدة. ويبحث الفصل الثاني في مقولة «نهاية التاريخ والغرب»، وهي المقولة التي كان قد أطلقها الباحث الأميركي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما في كتابه الشهير «نهاية التاريخ والرجل الأخير». ويبحث الفصل الثالث من هذا القسم والأخير في الكتاب ما يسميه المؤلف ب«الانهيار البيئي».

ومن الملاحظات الأساسية التي يقدمها المؤلف حول الأزمة المالية العالمية الراهنة هي أنها أظهرت مدى التداخل الكبير في اقتصادات بلدان العالم اليوم. بل أصيبت مختلف الحكومات بالدهشة أمام السرعة الكبيرة التي انتشرت فيها الأزمة كي تطال جميع أرجاء العالم. كذلك ارتبطت الأزمة في أذهان الرأي العام بالأزمة التي تهدد البيئة، ذلك على أن الأزمتين تطرحان أسئلة كبيرة على النظام الدولي، وأسئلة ذات طبيعة بنيوية.

ويتم الربط في التحليلات المقدّمة بين الأزمة المالية العالمية وبين العولمة اللبرالية بصيغتها السائدة. ذلك على أساس أن التداخل بين اقتصادات بلدان العالم يمكن أن يلعب دورا إيجابيا كبيرا عندما يساعد على «امتصاص الصدمات». ولكن هذا التداخل نفسه يمكن أن يلعب دورا معاكسا بعد عتبة ما حيث لا تعود العولمة تلعب دور «امتصاص الصدمات» وعندها تغدو «مولّدة للأزمات».

وكذلك أنتجت العولمة نوعا من الحضارة الإنسانية ذات النمط الواحد بحيث جرت عولمة العادات الاستهلاكية ومعايير الإنتاج. وهكذا للمرة الأولى في التاريخ تسود نفس المنظومة تقريبا والتي قد يتحدد على أساسها مستقبل البشرية. وعندما يكون هناك نمط واحد تتكاثر مخاطره.

هكذا بنى الغرب حضارة على أساس شعارات السلام والعقل التي رفعها عصر التنوير في أوروبا ولكن النتيجة التي يُظهرها الواقع القائم هي بعيدة تماما عن تلك الشعارات. ومن هنا يضيف المؤلف صفة «مقلقة» ل«مقدمة للاقتصاد»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب. ثم ان أوروبا نفسها هي التي قامت بنوع من «الانتحار الجماعي» عبر حربين كونيتين عرفهما القرن العشرين وحده.

ويؤكد دانييل كوهن على معطيين أساسيين في ظل العولمة القائمة هما ظاهرة النزوح الكبير من أرياف العالم إلى مدنه، وثانيا الواقع الجديد الذي خلقته الثورة الرقمية على صعيدي الاتصالات والمعلومات خاصة. هذان المعطيان يدفعان نجو انحسار مفهوم الحدود، وتبقى الهند والصين في طليعة بلدان العالم التي تواجه مثل هذا الواقع الجديد وبقفزات نوعية قد تكون ذات مخاطر غير محسوبة وربما شبيهة بتلك التي كانت قد عرفتها أوروبا في القرن العشرين.

أما الخطر الأكبر فيحدده المؤلف في ذلك الذي بهدد البيئة. ويشير إلى أن مجرّد حيازة الصين لنفس عدد السيارات التي تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية اليوم، فذلك يعني أنها سوف تستهلك جميع الإنتاج البترولي العالمي. وإذا استهلكت الصين من الورق بالنسبة للفرد كالذي يستهلكه الأميركي فهذا يعني أنها تحتاج لجميع الأخشاب في كل غابات العالم.

ومن خلال عدة ملاحظات من نفس الطبيعة في المقارنة يؤكد المؤلف أنه من المستحيل تعميم النمط «الغربي» الاستهلاكي على العالم كله. ومن هنا أيضا قد يكون التحدّي الأكبر بالنسبة للبشرية اليوم هو قدرتها على «اختراع» نمط جديد للاستهلاك يقوم على مبدأ «الاقتصاد».

ويرى المؤلف أن نمط الاستهلاك السائد اليوم في الغرب يشكّل عائقا أمام أنه «ثورة بيئية، ايكولوجية» أصبحت اليوم بمثابة ضرورة حيوية. ثم إن «ثمن» الاقتصاد الاستهلاكي، القائم على ما هو عابر ولحظي، هو ثمن باهظ جدا بالنسبة للبيئة. وبكل الحالات لا بد من الانتقال إلى نمط آخر من الاستهلاك وبالتالي من المجتمع، أي «موديل» اجتماعي جديد و«موديل» مالي جديد. لكن هذا يتطلب القيام برقابة شاملة لعدة عشرات من المؤسسات المالية العالمية الكبرى ذات «السلطة المفرطة».

كذلك تنطرح مسألة العولمة نفسها، فمنذ عشر أو عشرين سنة كان واضحا للعيان أنها عامل ازدهار. أما اليوم فهناك تساؤلات جدية حول ذلك، هذا خاصة إذا كان الصينيون يريدون السير في نفس النهج الاستهلاكي الأميركي. والرهان هو مستقبل البشرية كلها.

الكتاب: الازدهار السلبي

تأليف: دانييل كوهن

الناشر: البان ميشيل باريس 2009

الصفحات: 282 صفحة

القطع : المتوسط

La prospérité du vice

Daniel Cohen

Albin Michel

Paris 2009

282P.