اهتم المؤرخ البريطاني «جوي موران» بالحياة اليومية للبشر المحيطين فيه وبالأشياء التي تحيط فيهم. وهو يكرس كتابه الأخير لدراسة «الطرق»، كما جاء في عنوانه. ولعلّ من المفيد التوضيح منذ البداية أن المقصود بالتحديد هو تلك «الطرق السريعة الواسعة» التي شكّلت معطى جديدا في ميدان المواصلات.
لكن ليس هذه الطرق وحدها ولكن أيضا كل ما يرتبط بها من جسور ومحطات تزويد بالوقود وإدارات وإشارات ضوئية وأخيرا ما استجد من آليات التوجيه بواسطة الأقمار الصناعية. الكتاب يختصّ بكل ما يتعلّق بالطرق وبقانون تنظيم السير عليها ودلالاتها الاجتماعية والثقافية.وتبدأ قصة الطرق السريعة في هذا الكتاب مع ذلك الطريق الذي أراد منه أولئك الذين صمموه تجنّب مرور السيارات في مدينة برستون. وفي يوم افتتاحه خرجت الصحافة البريطانية كلها بعنوان واحد يتحدث عن «يوم عيد وطني». لكن بعد ما يزيد على شهر واحد بأيام جرى إغلاق ذلك الطريق بسبب ما أصابه من تصدعات وأعطال. كان المسؤول هو المطر والبرَد الغزير.
وكان «اليوم الكبير» هو ذلك الذي عرفته مناسبة افتتاح أول طريق سريع بطول 55 ميلا من الإسفلت. كانت الصحافة قد حصلت على امتياز أن يكون العاملون فيها في طليعة من يدشنون ذلك الطريق. ثم جاء دور سائقي السيارات العاديين من المواطنين، ويشير المؤلف أنه في نهاية الأسبوع التي جاءت بعد الافتتاح قامت شركة نقل لندن بتنظيم رحلات ب«حافلات حمراء» على ذلك الطريق بالنسبة لأولئك الذين لم يكونوا يمتلكون سيارات خاصة.
هنا أيضا وبعد 36 ساعة فقط من الافتتاح انهار جزء من جانب الطريق بسبب شاحنة محمّلة مرّت عليه. لكن ذلك لم يمنع وزيرة المواصلات آنذاك «باربارا» كاستل، من التصريح أثناء افتتاح «وصلة» بين طريقين سريعين قولها عن تلك «الوصلات» ان الطرق تمثّل «كنائس العالم الحديث».
وتتم الإشارة إلى أن «الشغف» بالطرق السريعة دام حوالي عقد من الزمن. لكن المؤلف ينقل عن أحد الموظفين الكبار قوله انه في عام 1972 كان رجال السياسة يسعون من أجل دعوتهم لافتتاح هذا الطريق أو ذاك، لكن في عام 1976 لم يستطع ذلك الموظف أن يجد أي سياسي مهم يقبل تدشين القسم الأخير من الطريق السريع الذي يحمل الرقم «ام- 62».
«إن المنظومة الانجليزية للطرق هي جميلة وغريبة»، حسب الرأي السائد، كما ينقل المؤلف كي يشير مباشرة إلى أنها تتمتع غالبا واقعيا بقدر قليل من الجمال وأنها لا تراعي أبدا راحة أولئك الذي تقع منازلهم بالقرب منها. هكذا لا يتردد في القول ان البشر يعيشون اليوم في «عصر الطرق المثيرة للشكوك»، والتي تنمّ عن«نقص الإنسانية» في مفهومها.
ويتم تحديد جزء من الصعوبة في التعامل مع «الطرق السريعة» بكونها لا تسمح بالراحة، أو على الأقل لا تشجّع عليها. ذلك في ظل غياب أية رؤية لوظيفتها باستثناء أنها مكرّسة ل«المرور السريع» عبورا ودون أية علاقة مع ما يحيط فيها. والطرق عامة، والطرق السريعة خاصة، هي مناطق ل«الحركة» وليس ل«التأمّل»، وبالتالي لا تنتمي لأية فئة جمالية تقليدية. وهي مناطق لا تثير أبدا أي فضول لدى أولئك الذين يمرّون عليها.
ولا يتردد المؤلف في القول بهذا الصدد ان الطرق تمثّل «المشهد الذي يحظى بأكثر قدر من الرؤية ولكن الأقل تأملا في بريطانيا». وبالمقابل يحاول أن يكون كتابه دعوة لتأمل الطرق الحديثة ومحاولة سبر حكاياتها السرية والبحث عن مكامن جمالها «المخبوءة».
وما يطالب فيه المؤلف حيال الطرق، ولكن أيضا فيما هو أبعد منها من عمران، يتمثل في البحث عن «الدلالات الدفينة للحياة العصرية». ذلك عبر تحليل عادات الأشخاص العاديين وسلوكياتهم في الأزمنة العادلة. وبتعبير آخر يطالب بالبحث عمّا يسميه «ما فوق العادي».
ويذكّر المؤلف في هذا السياق بتلك المنظمة الاجتماعية التي أسسها باحثون بريطانيون من بينهم همفري جونينغ وتوم هاريسون عام 1937 والرامية إلى دراسة عادات مجتمع ما وسلوكيات أفراده اليومية للوصول إلى معارفه المتكدّسة عبر مساره التاريخي.ويرى جوي موران، من موقع المراقب الفردي والمؤرخ الاجتماعي، أن منظومة الطرق البريطانية «تبلور التاريخ الثقافي والدوافع الاجتماعية بطريقة في غاية الأهمية».
ذلك خاصة من حيث دلالاتها على «رغباتنا حيال المجموعة ـ الأمة ومخاوفنا فيما يتعلق بهشاشتها». بهذا المعنى تتم دراسة الطرق «كمواضيع ذات دلالة ثقافية بمقدار ما هي كتل من الاسمنت». وبهذا المعنى أيضا يقوم المؤلف فيما يشبه التحليل النفساني لبريطانيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية من خلال شبكة طرقها.
الكتاب: حول الطرق: تاريخ خفي
تأليف: جون موران
الناشر: بروفايل بوك لندن 2009
الصفحات: 288 صفحة
القطع: المتوسط
On roads: a hidden history
Joe Moran
Profile Books
London 2009
288P.

