منذ العصور القديمة والبشر ينظرون إلى السماء ويتأملون الكواكب ويتساءلون عن أسرار الفضاء المحيط بهم. ولم يبخل الشعراء في نظم القصائد والتغني بجمال هذا الكون المحيط. وما يقوله عالم الفلك الأميركي في كتابه الصادر باللغة الفرنسية «قاموس عاشق للسماء والكواكب»، في سلسلة كتب عديدة حملت عنوان «قاموس عاشق.. »، هو أن كل شيء يتغير في الكون ويتحرّك وله تاريخه، وماضيه وحاضره ومستقبله. والكواكب نفسها تولد وتعيش حياتها ثم تموت. بالطبع هذا كله لا يحدث على مدى حياة إنسان أو جيل ولكن على مدى ملايين السنوات، بل وربما مليارات السنوات».
ويبدأ المؤلف كتابه ـ القاموس العاشق ـ الذي يزيد عدد صفحاته على الألف صفحة بالقول من الصعب الحديث عن السماء وعن الكواكب وعن الكون. فالكون هو بالتعريف مجموع كل ما هو موجود، والكيان الذي يشتمل على الكل فكيف يمكن اختيار المدخل إلى الحديث بين ما لا نهاية من المداخل؟ لكنه يجد «المخرج» من مأزق الاختيار عبر القول: «في نهاية المطاف، يتعلق الأمر بقاموس عاشق من حيث المبدأ، فليتم الحديث إذن عمّا نحبه وما يدفعنا إلى التفكير».
ويحتوي هذا الكتاب ـ القاموس أولا تعريفات تخص توصيف ما يحتوي الكون مثل تلك «المجرّات الصغيرة البيضاء» التي يبلغ وزن ملعقة منها «وزن فيل» وتلك «المنارات الكونية» التي يبلغ حجمها حجم باريس بأكملها و«التي تستطيع أن تدور حول نفسها بأجزاء من الثانية»، وتلك «الثقوب السوداء»، ذات الجاذبية الكبيرة بحيث أنها «تأسر النور وتجذب إليها دوّامات الغاز».
كذلك يحتوي هذا الكتاب ـ القاموس عدة «مداخل» عمّا يسميه المؤلف ب«الملحمة العظيمة للكون». وهنا تتم العودة إلى التاريخ الذي «هذبته كل العلوم وتكوّن على مدى جزء من الزمن يمتد على 14 مليار سنة».
ولا يكتفي المؤلف في هذا الجزء «التاريخي» من كتابه بالحديث عما يقوله العلم ولكنه يتعرّض أيضا إلى تلك «الأساطير» التي تصوّرها البشر عبر مختلف الثقافات والحقب وكان الهدف في جميع الحالات هو تفسير هذا العالم المحيط بنا. وضمن هذا السياق يتعرض المؤلف ـ العالم الفلكي لتاريخ الكواكب وحياتها وموتها و«انهيارها» تحت وقع ظاهرة الجاذبية.
ويحدد المؤلف القول انه «على كوكب يسمّى الأرض التي تدور باستمرار حول كوكب آخر اسمه الشمس، بدأت الحياة منذ حوالي 8,3 مليارات سنة، حسب التقديرات العلمية المختصّة». لكن بكل الحالات يبقى التطور الأعظم هو «ظهور الوعي ومعجزة الفكر».
مع ذلك تبقى هناك «مناطق ظل شاسعة في معرفتنا للكون»، كما يؤكد المؤلف ليشير في أحد المداخل إلى أن 96 بالمئة من محتوى الكون ككتلة وكطاقة مصدره «كتلة سوداء غريبة» و«طاقة سوداء» مبهمة تتجاوز معرفة طبيعتها إمكانياتنا العقلية بشكل كامل. وهذا ليس سوى مجرد سر بين كمّ كبير من الأسرار الأخرى التي يؤكد المؤلف أن البشر لا يزالون عاجزين عن تقديم أي تفسير لها.
وما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب هو أن علم الفلك يتعدّى كثيرا دراسة أشياء الكون وظواهره، وهو يمثل أيضا «دعوة للتفكير». ذلك أنه «فيما هو أبعد من المسائل ذات الطبيعة العلمية البحتة تُطرح أيضا تساؤلات ذات طبيعة ميتافيزيقية وروحانية».
ويضيف أنه عندما قام العالم الكبير كوبرنيكوس ب«نزع الإنسان من مكانه المركزي في الكون» إنما أثار منعطفا لا تزال نتائجه محسوسة حتى اليوم.
ويرى المؤلف أن الدراسات الحديثة الخاصة بالكون المحيط بنا، حوّلت كثيرا من الأفكار حول طبيعة الزمان والحيّز المكاني وأصل المادة وتطور الحياة والوعي والنظام والفوضى والسببية وأشياء أخرى كثيرة، كان لا بد من أن تجد مكانها في هذا الكتاب ـ القاموس.
إن هذا العمل ورغم طبيعته العلمية «الصارمة» فيه الكثير من «الحب» أيضا للكون. هكذا نقرأ مما يكتبه المؤلف عن قوس قزح ما يلي: «إن أحد مشاهد الطبيعة الأكثر سحرا وبدون شك الأكثر غرابة هو قوس قزح. هذا القوس ذو الألوان المتعددة ينبثق وسط حبيبات المطر بعد أن تهدأ العاصفة. وهذا القوس بقامته الباسقة وألوانه المتناسقة وكمال انحناءاته شبه الدائرية يبعث على الإعجاب. إنه مشهد مشعّ يقيم جسرا بين الشعر والعلم».
ونقرأ عن احتمال وجود كائنات أخرى على كواكب أخرى تتملى العالم كما نفعل: «إن القوانين الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية هي ذات طابع كوني ـ يونيفرسال، وسيكون من المدهش أن نكون وحدنا في كوكبنا وأن لا يكون هناك في مكان ما كائنات قادرة على أن تطرح على نفسها أسئلة حول الكون وأن تندهش أمام جمال العالم وأمام تناسقه».
وكتاب يحاول مؤلفه بعد ما يزيد على 400 سنة من غاليلي غاليليو أن يسبر أسرار الكون وأجرامه وكواكبه ويحاول المصالحة والتوفيق بين ما يطرحه العلم وعالم الروحانيات.
الكتاب: قاموس عاشق للسماء والكواكب
تأليف: ترين سوان شوان
الناشر: بلون باريس 2009
الصفحات: 1076 صفحة
القطع : الصغير
Dictionnaire amoureux du ciel et des étoiles
Trinh Xuan Thuan
Plon - Paris 2009
5
