حدث ذلك أثناء رحلة إلى نيوأورلينز عام 2005 ، حينها رأت الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي( ليما 1942) البذور الأولى لرواية «الجزيرة تحت البحر»، التي صدرت مؤخرا عن دار«بلازا وخانيس» للنشر، وهي تولد في مخيلتها، فراحت تتشكل في ذهنها فكرة تناول موضوع العبودية في منطقة الكاريبي في القرن الثامن عشر.
كانت مدينة نيوأورلينز، المعروفة عالميا بأنها مهد موسيقى الـ «جاز»، قد استقبلت في مطلع القرن الثامن عشر موجة واسعة النطاق من المهاجرين الفرنسيين، الذين فروا من ثورة العبيد في سانتو دومينغو سابقا وهايتي حاليا، التي تشكل مسرح أحداث رواية «جزيرة تحت البحر».في هذه الرواية، التي تقع في أكثر من 500 صفحة والصادرة في 28 أغسطس الماضي، تظهر زاريتي، الشخصية الرئيسية فيها، الناجية من العبودية والتي كانت قد باعتها مدام دلفين،عندما كان عمرها تسع سنوات، إلى فيوليت، وهي خليلة خلاسية جعلتها خادمة لعشيقها مالك الأراضي الفرنسي تولوس فالموراين المقيم في سانتو دومينغو مع زوجته وابنه ومالك أهم مزارع قصب السكر في المنطقة.
يمتد زمن الرواية على مدار 40 عاما من حياة هذه الخلاسية تشهد خلالها بشاعة استغلال العبيد في الجزيرة الكاريبية في القرن الثامن عشر بينما تعكس ظروف حياتها وكفاحها من أجل نيل حريتها.
الرواية تغص، إذا، بمواضيع مرتبطة بالرق والعبودية مثل العنف وزنا المحارم وبتكيف الأوروبيين مع ظروف الحياة في نيوأورلينز والثورات التي تبرز جميعها في هذا العمل الأدبي، مثلما تظهر فيه سلسلة من الشخصيات المتنوعة من بائعات الهوى حتى الأطباء الدجالين والسحرة، الذين ساندوا البطلة للمضي قدما حتى نيل حرية منشودة للغاية بالنسبة للأجيال المقبلة.
الليندي ترسم شخصية مناضلة تجتاز فخاخ ينصبها القدر لها كونها امرأة وخلاسية وعبده، ثلاثة سمات كانت تحكم ، في الكاريبي القرن الثامن عشر، على أي شخص أن يكون سجين مصير محتوم يقوم على الوقوع بين يدي سيد رجل وأبيض وحر. بيد أن زاريتي تتحول، مع ذلك، إلى بطلة منتصرة تتمكن من فتح طريق سعادتها.
يمكن القول إن الليندي التي تسير في هذه الرواية الجديدة على درب «ابنة الحظ»، التي تمزج فيها بين عوالم التاريخ والرومانسية والمغامرات.
في سن الأربعين، كان حظي (أنا زاريتي) أفضل من حظوظ العبدات الأخريات. وهذا صحيح، فلقد كان من نصيب هذه الفتاة السمراء، نجمة طيبة. ولدت في سانت دومينغو وعندما دخلت في ربيعها التاسع أصبحت عبده ، لكنها لم تتعرض قط لمخاطر المزارع المألوفة، وعلى خلاف نساء كثيرات مثلها عرفت زاريتي الحب وعاشته، إذ تقول:» أعرف طعم العيش مع رجل يختاره قلبي حين توقظ يداه الكبيرتان بشرتي. كان لي أربعة أبناء وحفيد والذين لا يزالون على قيد الحياة أصبحوا أحرارا».
بهذه العبارات تقلع رواية «جزيرة تحت البحر»، التي تسجل عودة إيزابيل الليندي إلى فن الرواية بعد صدور كتاب مذكراتها «حصاد الأيام»، ومن المعروف أن الليندي تستهل كتابة كل رواية جديدة في 8 يناير من كل، وهي عادة اكتسبتها بعد نجاح روايتها الأولى «بيت الأرواح»، التي استهلت كتابتها في ذلك التاريخ بالذات.
أحداث »جزيرة تحت البحر» تدور في بيئة تعود إلى القرن الثامن عشر، وتروي قصة العبدة زاريتي ودربها نحو الحرية. حيث يبدو أن الكاتبة التشيلية تحذو في عملها الجديد حذو ما فعلته في «ابنة النصيب» و«صورة عتيقة» وتنسج حكاية متقنة عن المظالم والمغامرات والحب بخلفية تاريخية.
«كان لفرنسا أغنى مستعمرة في العالم في سانت دومينغو. كان هناك 34 ألف شخص حر، بين بيض وخلاسيين ونصف مليون من العبيد السود.قلة من هؤلاء العبيد ولدوا في تلك المستعمرة، بينما اختطفت غالبيتهم من أفريقيا وكانوا يتذكرن أيام الحرية».
تصف الليندي، التي اختارت المنفى الطوعي أيام دكتاتورية بينوشيه، نفسها بأنها حاملة راية الحرية. وتقول في تصريحات لها لصحيفة «التييمبو» الكولومبية: «أي شكل من أشكال القمع والظلم يجعلني آخذ الأمر على المحمل الشخصي، ومن نافلة القول إن العبودية هي كذلك، لا بل أنها الشكل الأكثر تتطرفا. كان علي أن أكتب هذا الكتاب. أعتقد أن زاريتي، البطلة، ولدت من ضلعي».
زاريتي، المباعة إلى تولوس فالمورين، منتج السكر الكبير، تصبح عبده منزل منذ نعومة أظفارها وتستسلم لحياة سيدها وامرأته. من ذلك المكان تتحول كذلك إلى شاهدة على عادات وسلوكيات ومآسي البيض في الجزيرة، وكذلك على الاستغلال البشع الذي يتعرض له العبيد. كما أن زاريتي، التي تمتلك جمالا أخاذا وحسنا منقطع النظير» تجسد حرية الروح، قوة جبارة مثل بركان»، على حد تعبير المؤلفة.
الرواية تصور سانت دومينغو كجنة طبيعية بين أيدي المستغلين (بكسر الغين) والفاسدين واللصوص. وترصد حالة من الغليان مليئة بالتوترات، حالة مسكونة بالبيض الأغنياء وملاك الأراضي والمستعمرين الفقراء(بفتح التاء) والخلاسيين الأحرار، المنكبين على التهريب والدعارة، والأشرار والقراصنة الذين استخدموا الجزيرة كملاذ آمن لهم، لكن الغالبية تبقى من العبيد السود.
تلك التوترات تؤدي إلى اندلاع انتفاضة كبيرة للعبيد، الذين يأخذون زاريتي إلى مدينة نيوأورلينز، حيث تجد الحرية. وعندها تتذكر تاريخها، بدءا من أيامها الأولى، عندما دفعها عبد عجوز يدعى هونوري إلى الرقص. وكان يقول لها: «ارقصي، ارقصي يا زاريتي، لأن العبد الذي يرقص حر».
الكتاب: الجزيرة تحت البحر
المؤلف: إيزابيل الليندي
الناشر: بلازا و خانيس مدريد 2009
الصفحات: 544 صفحة
الحجم: المتوسط
LA isla bajo el mar
Izabel Allende
Plaza y Janes- Madrid 2009
5
باسل أبو حمدة

