يرى ماهر عبد المحسن حسن في كتابه «جادامر: مفهوم الوعي الجمالي في الهرمنيوطيقا الفلسفية» بأن الهرمنيوطيقا تمثل الآن واحداً من التيارات الأساسية السائدة في الفلسفة المعاصرة، وتشكل في صورته المعاصرة داخل الفلسفة الألمانية بدءاً من الفيلسوفين شليرماخر ودلتاي ومروراً بالفيلسوف هيدغر وصولاً إلى الفيلسوف هانس جورج جادامر.
ويعتبر المؤلف أن التيار الفينولوجي لدى هوسرل وأتباعه من أهم المصادر التي أثرت بعمق في فلسفة جادامر، ولكن الفيلسوف هيدغر كان له التأثير الأعظم على فلسفته، بحيث يمكن القول بأن فلسفته قد اتسمت بطابع فينومنيولوجي على طريقة هيدجر.
ويظهر جادامر في الهرمنيوطيقا المعاصرة كأبرز فيلسوف جسّد من خلال دراساته فلسفة تأويليةً تجمع بين مشروع هوسرل في الفنومنولوجيا ومشروع التأويل الأنطولوجي الذي افتتحه هيدغر.
وعمل على تأسيس صرح هرمنيوطيقا كونية، يحقق فيها الإنسان كينونته عبر صيغة الفهم والتفاهم وأدبيات الحوار، بوصفها الغاية التي تجري إليها هذه الهرمينوطيقا، إذ إنّ بلورة نموذج الفهم، عبر وسيط اللغة، هو شيء يكونه الإنسان لا أن يدّعي فعله حقيقةً، ليكون التأويل بذلك، على الدوام، سؤالا، وجدلاً بين الماضي والحاضر، وتفاعلاً دينامياً بين الإنسان المؤول وتراثه، وذلك من خلال انصهار آفاق كلّ منهما داخل أفق جديد في مقام تأويلي مخصوص في الزمن الراهن، وهو بذلك، يعدّ ردّة على النزعة الموضوعية الداعية إلى فهم صحيح يحيط بالنصوص فهماً.
وحاول جادامر تطبيق التأويل على العلوم الإنسانية واللغويات، انطلاقاً من فهم يعتبره أصل المناهج جميعاً، وأراد أن يثبت كلية التأويل، من خلال إعادة تحليل المنهجيات الجمالية في الفن، ثم في العلوم الإنسانية التي يسميها علوم الفكر، ثم في اللغويات والفعاليات اللغوية.
فالعمل الفني لا ينظر إليه بوصفه شكلاً نقياً خاضعاً لأحكام التذوق، إنما يدعونا إلى «مضمون الحقيقة» بوصفه تجربة لا تختزل بمقاصد المؤلف، حيث لم يبقى فيه شيء من قصد المؤلف وفهمه، فيما بقي الشكل الفني أو النص الأدبي، الذي فيه تقبع حقيقة كامنة تقبل التغير والتعدد. ومع أن عملية الفهم هي عملية مشاركة وجودية- استناداً إلى هيدغر ـ تقوم على الحوار بين المتلقي والعمل الفني، فإنها كذلك تفتح عالماً جديداً، وتوسع من أفق العالم الذي حولنا وفهمنا لأنفسنا.
وليس العمل الفني منفصل عن العالم الذاتي، رغم أنه يبدأ من المبدع وينتهي بالمتلقي، من خلال وسيط هو النص أو الشكل الفني الثابت، الذي يجعل تلقيه عملية متكررة وممكنة، والحقيقة التي يتضمنها هي كمثيلاتها في الفلسفة والتاريخ حقيقة غير ثابتة، متغيرة بتغاير الأقاليم المعرفية والتاريخية، تبعاً لتغير أفق التلقي وتجارب المتلقي، وعليه فإن النص هو الذي يجعل عملية الفهم ممكنة الحدوث.
وظل اهتمام النظرية التأويلية خلال تطورها منذ شلاير ماخر حتى جادامر منصباً على عبور، أو عدم عبور، الفجوة التاريخية والثقافية التي تفصل ما بين المفسر والنص.
غير أن هذا التركيز من جانب النظرية قد يحمل جرثومة وهنها وذبولها؛ إذ يبدو أن الهرمنيوطيقا فور زوال الفجوة ستفقد مبرر وجودها ولن يعود لها دور. إلا أن الفيلسوف وعالم الاجتماع الأماني يورغين هابرماس 1929 شق للهرمينوطيقا طريقاً جديداً سواء من حيث النظرية أو التطبيق.
ويقرر ماهر عبد المحسن حسن أن محاولة جادامر الهرمنيوطيقية الفلسفية هي محاولة ذات طابع خاص تتسم بالقدرة الفائقة على «التجاوزس، إذ أنها تتجاوز الهرمنيوطيقا الكلاسيكية التي لم تستطع التخلص من نموذج المنهج في العلوم الطبيعية بأن تقدم هرمنيوطيقا ضد هذا النموذج من المنهج، وتوسع من أفق التفسير ليشمل كل شيء قابل للفهم والتعقل.
ولا يكون محدوداً في مجال النصوص، كما تتجاوز علم الجمال الحديث الذي أكد على أولوية الصورة الفنية والشكل الجمالي، مقلصاً بذلك من أفق وعينا الجمالي بالفن. هذا بالإضافة إلى تجاوز كل نظريات النقد الأدبي بنقل بؤرة الاهتمام من علاقة «المؤلف/النص» لتكون مسلطة على علاقة «القارئ/النص».
ولا شك أن جادامر في كل هذا إنما كان يسعى إلى إعادة صياغة الفهم السائد لدور الفن والأدب في عالمنا، وبالتالي إعادة تشكيل الوعي الجمالي ليصبح وعياً بشيء نألفه، وليس وعياً مجرداً خالصاً منعزلاً عن عالمنا.
الكتاب: جادامر: مفهوم الوعي الجمالي في الهرمنيوطيقا الفلسفية
تأليف: ماهر عبد المحسن حسن
الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر بيروت 2009
الصفحات: 271 صفحة
القطع: المتوسط
عمر كوش
