تشهد القصة القصيرة في السودان انتعاشاً لافتاً في هذه الفترة، فقد نشط نادي القصة على مدار الشهور الماضية وعقد ندوات عدة ناقشت تقنيات كتابتها واستحضرت تجارب العديد من الأسماء القصصية الرائدة وترافق ذلك مع مسابقات عدة أقامتها جهات ثقافية متعددة.

ويبدو كل هذا كمؤشر على حيوية لطالما افتقرها المشهد القصصي السوداني نظرا لما ظل يعانيه من غياب للمنابر وضعف في حركة النشر، على الرغم من انه كان سبّاقاً في الستينات إذ اصدر أول مجلة عربية متخصصة في القصة القصيرة وقد وقف على تأسيسها وذيوعها الرائد عثمان علي نور.

وكتتويج لهذا الحراك الفعّال الذي أسهمت به «الانترنت» على وجه التحديد، صدور انطولوجيا/ مختارات.. تضم نصوصا ل31 كاتباً قصصياً سودانياً في إطار مهرجان الثقافة الإفريقية الثاني الذي إقامته الجزائر في الفترة 5 إلى 20 يوليو وجاءت بعنوان «غابة صغيرة» وقد أعدها وقدم لها الكاتب نصّار الصادق الحاج.

وقد ركز نصار الحاج في اختياراته على الأسماء القصصية التي برزت في العقود الأخيرة ولم يتوقف عند عدة تجارب سابقة وإن كان أشار إلى بعض الأسماء مثل معاوية نور، خليل عبدالله الحاج، ملكة الدار محمد، الزبير علي، أبوبكر خالد، عثمان علي نور، الطيب صالح، خوجلي شكرالله، مصطفى مبارك، محمود محمد مدني، عثمان الحوري، علي المك، مختار عجوبة.

ولعل السبب وراء ذلك أن غالبية هذه الأسماء الكلاسيكية نُشرت أعمالها في مختارات من القصة السودانية كانت صدرت ضمن «كتاب في جريدة» لليونسكو في العام 2008 من إعداد محمد المهدي بشرى كما أن غالبيتها متوفرة على عناوين في المكتبة السودانية.

و باستثناء إبراهيم اسحاق، عيسى الحلو، بشرى الفاضل، يحيى فضل الله، وصلاح الزين فاغلب الكتّاب في «غابة صغيرة» من جيل الثمانينات وفي معظمهم لم تصدر لهم مجاميع قصصيّة على الرغم من حضورهم على مستوى ملاحق الثقافة بالصحف وفي المجلات والدوريات العربية ورقية كانت أو الكترونية.

ولم يهتم نصار الحاج بالترتيب الهرمي للتجارب..الأقدم فالأحدث.. لم يعتمد فكرة «الجيل» أو أن ذلك لم يتضح في الكتاب، على الأقل كما هو ملحوظ في مختارات عديدة سابقة ويرى نصار الحاج في مقدمته، ان من الصعوبة، في هذا الوقت، الحديث عن كتابة «اجيال» فتجارب الكتّاب صارت أكثر تواصلاً وأكثر تحولاً وأكثر عبوراً وقابلية لتبَصُّرِ المعطيات الجديدة!ومطالعة الكتاب توقفك على التطورات التقنية التي أحرزتها القصة القصيرة السودانية في العقود الأخيرة.

ولئن ظل المشهد النقدي يتحدث لوقت طويل عن تأثر القصة السودانية بالتجارب المصرية في الخمسينات والستينات بل حتى في بعض التجارب الحديثة، فان هذه المختارات تكشف ان ثمة خصوصية لافتة بدأت تبرز في القصة السودانية خاصة في تجارب إبراهيم اسحاق وعيسى الحلو مرورا بمنصور الصويم وستيلا قايتنيو وبركة ساكن ومحمد خلف الله، علي عيسى وسواهم، ويقاس ذلك بالطبع بانشغالاتها المضمونية.

حيث انفتحت في اغلبها على معطيات الحياة السودانية، في العقود الأخيرة، في المدينة والريف، وشُغلت على نحو خاص بالحروب التي شهدها السودان، خاصة حرب الجنوب، وإفرازاتها كالهجرة والنزوح والجوع والتشرد، ولعل ثمة مطابقة للعنوان «غابة صغيرة» مع الطقس الافريقي الذي يطبع بعض النصوص، خاصة التي لآرثر قبريال ياك وستيلا قايتنيو، وهما من جنوب السودان..

لكن إن قرأنا في دلالة «الغابة» ما يفيد التداخل والتشابك ما بين مكوناتها فاننا نجد ان اغلب النصوص استفادت مما يزخر به هذا البلد الوسيع من تعدد وتداخل ثقافي ما بين قبائله العربية والإفريقية ويبرز هذا التعدد بالنصوص في ما تقاربه من عادات وتقاليد وفضاءات مكانية وفي استثمارها للأساطير والمحكيات الشعبية، هنا وهناك، و في تطعيمها اللغة العربية ببلاغة «عاميات» هذه البيئة المتميزة بمزاوجتها بين العروبية والافريقانية.

الكتاب: غابة صغيرة

إعداد: نصار الحاج

الناشر: جمعية البيت للثقافة والفنون الجزائر 2009

الصفحات: 423 صفحة

القطع: المتوسط

عصام أبو القاسم