يثير يوسف غزاوي في كتابه المعنون بـ «رؤى تشكيليّة حديثة ومعاصرة» جملة من القضايا والشؤون التشكيليّة الراهنة، بهدف فتح النقاش على الفن المعاصر وخضوعه للجاهز الصنع، أو للإبداع الصناعي، والمحيط اليومي هو إشكالية بحد ذاتها، تتطلب مؤلفات بأكملها، ودراسات متواصلة.
يتوقف الباحث عند «كتابات الفنانين التشكيليين ورؤاهم: تنبؤات وتأثيرات» خصوصاً عند كتاب الفنان التشكيلي الروسي الأصل «فاسيلي كاندينسكي 1866 ـ 1944» ـ الروحانية في الفن ـ الذي نشره عام 1911 باللغة الألمانية.
وقد تزامن مع أول عمل تجريدي له، هذا الكتاب الذي شكّل مفصلاً مهماً في الفن الحديث، يُذكرنا كاندينسكي أننا نقف على عتبة عصر الخلق النافع، لأنه يعتقد أن هذه الروح هي على علاقة عضويّة مباشرة مع فن التصوير، مع الخلق الذي سبق بدؤه في المملكة الروحيّة، لأن هذه الروح هي النفس لمرحلة الروحانيّة الكبيرة.
ثم يثير المؤلف ظاهرة الفنان الألماني الشهير (ماكس أرنست 1891 ـ 1976) الذي يعتبر من مؤسسي الاتجاه السريالي في التشكيل المعاصر، وكان من السباقين في استعمال لعبة التلصيق «الكولاج» في إنجاز أعماله، وهو «فنان الأوهام»، كما أطلق عليه الشاعر الفرنسي المعروف أراغون.
يتوقف المؤلف عند الفن المفاهيمي وامتداداته، وثنائية عودة الصنمية، وظاهرة تحطيم الصور، فيؤكد أن «الفن المفاهيمي» أو «التصويري» هو الشكل الأكثر راديكاليّة لفن القرن العشرين، والأكثر إشكالية وتطرفاً وغموضاً بالمعنى التاريخي للكلمة. وهو فن أميركي النشأة والهوية والبعد، بالرغم من بذوره المتأتية من الفنان الأوروبي (مارسيل دوشامب) عملاً ونظرية، ومن الإسقاطات الدادائيّة المتمثلة بالثورة على تاريخ الفن ونتاجاته ورموزه.
من الأسماء التي ساهمت في إطلاق ظاهرة «الفن المفاهيمي» ومنها الفنان الألماني جوزيف بويز الذي سخر من تاريخ الفن و(دونالد جاد) فنان العلب الملونة الذي ألغى التعبير الشخصي و(أندي وارول _وارهول_) الفنان الأميركي المتعدد المواهب، أحد أبرز فناني (البوب آرت) و(جان تانغلي) الفنان السويسري الذي استعمل في إنجاز أعماله آلات مضحكة وهزليّة وتراجيديّة و(فرانك ستيلا) الأميركي الذي شكّل ظاهرة فنيّة مميزة، وهو مبتكر الفضاء متعدد الأبعاد.
يتحدث المؤلف عن فن الأرض الذي يعتبر شكلاً من أشكال الفن المفاهيمي الذي اعتمد على المفاهيم والرموز، وندد بمشكلة بيئيّة تهدد وجودنا، وأشار إلى قدرة الإنسان على تغيير الأرض أو تحسينها أو تشويهها، وتنتمي معظم تظاهرات هذا الفن إلى (فن التجهيز) المؤقت.
حيث يعمد الفنان إلى توثيق العمل عبر وسائط سمعيّة أو بصريّة ومرئيّة، كما في أعمال الأميركيّة (دونا هينيس) والبريطاني (آندي غولدزورثي) ومواطنه (ريتشارد لونغ) والبلغاري (كريستو) وزوجته الفرنسيّة (جان كلاود) والأميركيّة (ألسي أيكوك) و(نانسي هولت) وغيرهم.
يستعرض يوسف غزاوي الموضوع القديم ـ الجديد في الفنون التشكيليّة (الرسوم الذاتيّة) أو (الشخصية) فتوقف عند (الرسوم الذاتيّة للقرن العشرين) وهي أعمال رسمت وجه هذا القرن وهي مؤلفة من الصورة الذاتيّة، أي الموديل الوحيد الذي لا يعرف الملامة والعتاب، فمهما يكن انتماؤهم الفني المدرسي، نراهم في لحظة التصوير واقعيين، و(الصورة الشخصية تستجوب دائماً من ينظر إليها) على حد تعبير مؤرخ الفن (باسكال بونافو).
الكتاب: رؤى تشكيليّة حديثة ومعاصرة
تأليف: د. يوسف غزاوي
الناشر: الجامعة اللبنانيّة بيروت 2008
الصفحات: 256 صفحة
القطع: المتوسط
