يأتي كتاب هبه سيد عبدالعاطي المعنون ب« يوميات اثنين مخطوبين» ضمن هذه الأنواع الجديدة العصية على التصنيف. فالكتاب عبارة عن يوميات مكتوبة بقلم فتاة مخطوبة قامت بالتعبير عن فترة خطوبتها بالكتابة ذات الصوتين؛ حيث تحكي الحكاية مرة بصوتها ومرة أخرى من خلال صوت خطيبها.
والكتاب يمدنا بخبرات عديدة كدنا أن ننساها ونستغرب حتى وجودها في زمننا الذي غلبت عليه الماديات ويفتقر إلى المشاعر الصادقة التي ينسجها الرجل والمرأة رغم وطأة الظروف الاقتصادية ومتطلباتها العديدة.
وميزة اليوميات أنها تنقل الخبرات الخاصة بمخطوبين ينتميان للطبقة الوسطى المصرية التي تشكل مرآة كاشفة لمجمل التحولات التي تشهدها مصر منذ عقود طويلة وحتى الآن. فرغم عنوان الكتاب الدال على تجربة ذاتية تخص فتى وفتاة في مقتبل حياتهما العاطفية إلا أنها تنسحب لتشمل العديد من القضايا المجتمعية الأخرى التي يمكن التعرض لبعضها.
ورغم ما يبدو عليه الأمر من دهشة في بادئ الأمر إلا أنه يتحول بعد ذلك لعالم من الاكتشاف يحاول من خلاله كل من طرفي العلاقة أن يتعرف على الآخر يوما يعد يوم، وهي وضعية ينقلها الكتاب برومانسية منقطعة النظير تُمتع القارئ وتنقله لأجواء عذبة اعتقدنا من زمن طويل باختفائها من حياتنا.
وتبدو الرومانسية في أقصى تجلياتها من خلال العالم الجديد والحالم في الوقت نفسه الذي يشكلانه سويا من خلال اتفاقهما أو اختلافهما على العديد من الأمور الهامة والتافهة في الوقت نفسه. ورغم عدم وجود علاقة سابقة إلا أن قبول كل منهما للآخر ساعد على تشكيل قدر كبير من التفاهم فيما بينهما وساعدهما على تجاوز الكثير من العقبات، بما ذلك العقبات الاقتصادية التي ربما تمثل أكبر العقبات في إنجاح الكثير من الزيجات في عالمنا المعاصر.
وإذا كانت مرحلة الخطوبة ترتبط بالكثير من المشاعر الرومانسية لفترة من الوقت يستمتع من خلالها الطرفان ببعضهما البعض إلا أن الأمر ينتقل بعد ذلك إلى الجوانب العملية من الخطوبة التي ترتبط بالجوانب المختلفة الخاصة بالزواج، وبشكل خاص الشقة والتجهيزات المرتبطة بها.
فجأة تتنحى الرومانسية جانبا وتبدأ مرحلة اللهاث وراء المتطلبات المادية، حيث يتناول الكتاب تفاصيل عديدة تتعلق بتلك الجوانب بدءا من التفكير في شراء الشقة وحتى أدق التفاصيل الأخرى المتعلقة بالأثاث والديكورات إلخ. ويبدو أن من بين أهم الجوانب التي تساعد على تجاوز خلافات المرحلة الأولى من الخطوبة هو القدرة على مواجهة الأزمات المالية بمرونة عالية بما يجعلهما يتلافيان مشكلات المرحلة الأولى من التعارف والخطوبة.
يقوم الأهل من الناحيتين إذا ما صدقت النوايا بتذليل كافة العقبات التي يمكن أن تقف حجر عثرة في إتمام الزواج، وبشكل خاص ما يتعلق بالجوانب المادية. وهو ما أكد عليه الكتاب من خلال تأكيد الدور الذي قام بها الآباء من الطرفين في تذليل العقبات أمام الأبناء بما يُسرع من إتمام مراسيم الزواج بنجاح.
من الجوانب الأخرى المتميزة بخصوص تلك اليوميات غلبة الجانب الديني على ممارسات المخطوبين حيث يتجهان بشكل دائم إلى الله تضرعا من أجل تسهيل مراسيم الزواج، وهي ممارسات شائعة بشكل كبير بين أفراد الطبقات الوسطى في العالم العربي. فمن بين أكثر الجوانب التي ذكرتها اليوميات على سبيل المثال صلاة الاستخارة التي استخدماها بشكل كبير من أجل التيقن من صحة القرارات الخاصة بهما، واتخاذ موقف نهائي تجاهها. ومما يلاحظ هنا أن الجانب الديني يلعب دورا كبيرا في الثقة في إنجاز الأمور المختلفة التي يتطلبها الزواج بما في ذلك الأمور العاطفية والمادية على السواء.
ويبرز الكتاب أن الأمور لا تسير دائماً على النحو المراد من السعادة ففي أحيان كثيرة تفرض الاحتياجات المادية أمورا غير واردة في الحسبان مثل السفر للخليج لمدة عام من أجل تحصيل المال الذي يسهل تجهيز الشقة وغيرها من الأمور المادية الأخرى، وهي مسائل تقطع وتيرة الرومانسية والتواصل، حيث تحل محلها الاتصالات التليفونية والدردشة عبر الإنترنت.
يقدم الكتاب من خلال لغته خفيفة الظل حكايات مخطوبين من الطبقة الوسطى المصرية يقدمها من خلال نوع أدبي جديد لا نعرف كيف نصنفه، لكننا نعرف كيف نستمتع بقراءته.
الكتاب: يوميات أثنين مخطوبين
تأليف: هبة سيد عبد العاطي
الناشر: دار أكتب للنشر والتوزيع القاهرة 2009
الصفحات: 82 صفحة
القطع: المتوسط
د. صالح سليمان عبدالعظيم
