إن أهم ما يميز رواية «الفراشة» للفرنسي هنري شاريير هي أنها تستند إلى الواقع وتحكي عن سجون بشعة حتى سميت بآكلة الرجال، وأن هذه السجون تنتمي لدولة حملت لواء الحرية في العالم وكانت تُفاخر بذلك على الدوام، تماما كما نرى اليوم دولا تتشدق بحقوق الإنسان وتُنصّب نفسها حامية لها وهي تنشئ سجونا سرية وعلنية تنتهك فيها حقوق الإنسان ليس بصورة بشعة وحسب ولكن بطرق مبتكرة أيضا.
والرواية التي صدرت سنة 1970 تصدرت قوائم المبيعات طويلا وتمتد عبر أكثر من 450 صفحة من القطع المتوسط تتطرق إلى تفاصيل حياة سجين حكم عليه بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة بعد اتهامه بجريمة قتل لقوّاد لم يرتكبها، غير أنّ المدعي العام (برادل) المملوء حقدا مع أحد شهود الزور (بولان) كانا يسعيان جاهدَين لإقناع اثني عشر محلفا لإلصاق التهمة بذلك البريء، مما حول حياته إلى جحيم فقرر الهروب لاستعادة حريته أولا ولينتقم ثانيا، وكانت النتيجة تسعة هروبات وثلاث عشرة سنة من السجن والعذاب.
كان بابيون يبلغ من العمر 25 سنة حين حكموا عليه فوجد نفسه دون ذنب في طريق العفن، ولأنه يفكر بالهروب فهو يحتاج إلى المال ليرشي به السجانين وليتغلب على ظروفه، فكان يخبئ نقوده في انبوبة طولها ستة سنتمترات وبضخامة الإبهام، يخبئها في فتحة الشرج ولتصعد إلى القولون كي لا ينكشف أمرها.
ومثل هذه الحكايات يعرفها غالبية السجناء، وانكشاف أمر انبوبة ما لسجين غني قد تودي إلى قتله فيضيع دمه هدرا وسط كل هؤلاء المجرمين.
وبعد تنقله في أكثر من سجن أودع بابيون في سجن الميناء، ذلك السجن الذي تستغرق الرحلة إليه 18 يوما والذي بناه نابليون، وحين سألوه: «مَنْ تتخذ من الحرّاس على هؤلاء المجرمين؟» أجاب: «أتخذ حرّاسا أكثر إجراما منهم». وهو ما كان. وفي سجن الميناء يجمعون السجناء من كافة أنحاء فرنسا تمهيدا لإرسالهم إلى سجن غويانا الرهيب في إحدى مستعمرات فرنسا الواقع في ثلاث جزر يستحيل الهروب منها.
وهناك على خط الاستواء حيث الحر الشديد وحيث يمكن أن يصاب السجين بالجذام أو الحمى الصفراء أو الزحار أو السل أو الحمى المستنقعية أو الملاريا إن لم يكن الجنون أو الانتحار! بالاختصار، الأرض هناك تمتص السجين شيئا فشيئا بكل أنواع الأمراض ووسائل الموت أو القتل، وهناك يجد السجين نفسه مدفونا وهو حي.
تعرف بابيون على الكثير من السجناء الذين تعاطفوا معه وفي مقدمتهم ديغا المدان بتزوير العملة والمحكوم عليه بالسجن 15 سنة والذي كان له خير صديق ومعين في ساعات الشدة.
ومقابل المال الذي خبأه في جزء من جسمه تمكن بابيون من شراء قارب وبمساعدة صديقين له (كلوزيو وماتوريت) تمكنوا من ضرب الحرّاس والهروب من سجن الميناء غير أنهم اكتشفوا أن القارب قديم ومن المستحيل أن يحملهم عبر المحيط الهادر، فلجأوا إلى جزيرة المجذومين ووجدوا عندهم الرغبة لمساعدتهم فزودوهم بأمتعة وقارب جيد تمكنوا بواسطته بمشقة من عبور المحيط الأطلسي والوصول إلى ذلك العالم المنقسم حولهم بين مرحب ورافض.
وكان الهروب الأول الذي أعقبه أكثر من هروب هناك على الجانب الآخر من أراضي المحيط إلى أن وصل بابيون وحيدا إلى قبيلة من الهنود الحمر (كاجيرو) فرحبوا به وعاش بينهم كواحدٍ منهم وتزوج فيها من أختين (لالي وزواريما) أحبتاه وأحبهما غير أن الرغبة الجامحة في العودة إلى أسرته في فرنسا والانتقام جعلته يغادر قبل أقل من سنة على هروبه تاركا زوجتيه حاملتين.
وبعد أن تذوق بالتذاذ تام طعم الحرية أمسكوا به وأعادوه إلى فرنسا فأضافوا للعقوبة سنتين في السجن الانفرادي آكل الرجال في غويانا حيث لا يمكن المقاومة أكثر من ستة أشهر وحيث يكثر الانتحار والجنون في ظل أحكام تمتد إلى خمس سنوات أحيانا. هناك حيث لا يسمح فتح الباب إلا بأوامر عليا يكون الموت فيها بالنسبة للسجين نهاية طريق العفن الذي يجرف أكثر من ثمانين بالمئة منهم، ولينتهي السجين الميت بكفن من أكياس الطحين قبل أن يُلقى به طعاما لأسماك القرش التي تستنفر عند قرع الجرس وتتلذذ بتلك الوجبات المجانية.
ومن خلال ما كان يُهرّبه له أصدقاؤه وفي مقدمتهم ديغا من لب جوز الهند والسجائر ومن خلال بناء عالم متخيل موازٍ لعالمه تمكن بابيون من الصمود تلك السنتين مقاوما معاناة الجوع والوحدة القاتلة ومواجهة البؤس الفيزيولوجي.
وبعد العودة إلى السجن الجماعي ومخالطة الأصدقاء من جديد تتفجر الرغبة بالهروب مجددا، ولأنه سجين مكتوب عنه بالقلم الأحمر: «دائم الأهبة للهرب» فقد راقبته الأعين ووئدت المحاولة في مهدها على يد الوشاة الذين قُتل أحدهم (سيليه) بيد بابيون نفسه بينما قُتل الآخرون على يد أصحابه وكان نتيجة ذلك السجن الانفرادي ثماني سنوات فما كان من أصدقائه إلا أن نظروا إليه كنعش ينزل في حفرة بعد أن أمسكوا عن الكلام.
ولهذا فإن بابيون الذي كان يحتسب الساعات في سجنه الانفرادي الأول بات يحتسب نظام الستة أشهر في سجنه الانفرادي الثاني محاولا خلق جوٍ من الخيال قدر المستطاع محلقا بأفكار سعيدة لإبعاد شبح الجنون، معاتبا نفسه على ترك عالمه البدائي الجميل مع قبيلة الكاجيرو التي يسميها «عشيرتي» حيث لا شرطة والقانون فيها هو التفاهم، فكان كمن ترك النعيم وهبط إلى الجحيم.. طوعا.
وبمساعدة من الطبيب جيرمان الذي حاول مساعدة سجناء الانفرادي بإخراج المرضى منهم ومعالجتهم وتعريضهم للشمس، ولتعاطفه الشديد مع بابيون الذي ساهم بإنقاذ ابنة المراقب من الغرق تم توقيف عقوبة الانفرادي عنه لسبب صحي بعد مضي 18 شهرا وبذلك فإن الأموات نهضوا وصاروا يمشون في الشمس وتمكنوا من التفوه ببعض الكلمات، وردد بابيون: «حسنا سنعود إلى الحياة مع الأشغال الشاقة المؤبدة».
ولأن بابيون لا ينتمي إلى السجن، ولأنه من رواد الهروب الدائمين تمكن من الهروب مجددا غير آبه بالحرب العالمية الثانية التي اشتعلت على وجه الأرض واحتلال وطنه فرنسا محدّثا نفسه: «هل يجب أن نكون بليدين حتى نشغل بالنا بمجتمع لم يرحمنا؟» هروبه الأخير تطلب منه التشبه بالمجانين ليعيش بينهم كمجنون وليهرب من جزيرة الشيطان بعد أن أحسن تقمص دور المجنون حتى انطلت الحيلة على الجميع بما فيهم الطبيب الذي كتب: «مصاب بعقدة الاضطهاد».
من هناك تمكن هو والإيطالي سيلفان بعد الموجة السابعة كلٌ على طوف من الهروب إلى طريق الحرية، وتمكن بعد موت سيلفان الذي آلمه كثيرا من النجاة والوصول إلى جورج تاون ومن هناك إلى فنزولا حيث مُنح الإقامة ثم الجنسية وليعيش حرا.
كريم السماوي
