وسط انشغالها بما يصاحب إطلاق كل رواية جديدة لها من لقاءات واتصالات واستقبالات، أجرت صحيفة «كلارين» الأرجنتينية حوارا مع الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي تمحور حول عملها الأخير «الجزيرة تحت البحر»، الذي يعالج مفهومي العبودية ونقيضه الحرية في رحلة تأخذنا فيها الأديبة إلى العديد من بواطن الضعف ومظاهر القوة في النفس البشرية. وفيما يلي نص الحوار:
ما السبب الكامن وراء تناول موضوع العبودية في يومنا هذا؟
أنظر، أنا لدي مؤسسة، وأعمل مع النساء والأطفال، والمهمة التي تضطلع تلك المؤسسة بها هي مساعدة النساء والطفلات في ميداني التعليم والصحة، حيث يقدر لي رؤية كل شيء. وأنا أرى أن العبودية لا تزال موجودة في العالم، لا سيما عبودية النساء والطفلات والأطفال أيضا.
طفلات مجبرات على زيجات مبكرة وقبل أوانها، طفلات مجبرات على العمل خادمات في البيوت، في المصانع، في المناجم، من دون أن تدفع لهن أجورهن. هناك أمكنة في منطقة بحيرة فكتوريا في كينيا، على سبيل المثال، التي تجبر فيها الطفلات على العمل في صناعة صيد السمك. في الكونغو هناك أطفال يختطفون ويجبرون على العمل في المناجم. أما في الغرب فتعم ظاهرة العمل القصري والدعارة.
أين تقاطعت حياة الليندي مع حياة عبيد المستعمرات الفرنسية؟
في نيو أورليانز. في آثار ثقافتهم، ففي عام 1800 وصل إلى هناك عشرة آلاف من المهاجرين الذين خرجوا فارين مما هو هايتي في يومنا هذا. وهم مستعمرون فرنسيون جاءوا مع نسائهم البيضاوات وأطفالهم البيض وجلبوا معهم محظياتهم ذوات البشرة الملونة مع أبنائهن الذين يجري في عروقهم دم خلاسي.
زاريتي، بطلة «الجزيرة تحت البحر»، تختار اتباع سيدها مرتين. هل هذه حكاية انتصار أم هزيمة؟
أعتقد أنها حكاية انتصار بالنسبة لزاريتي، التي حررت نفسها، وكذلك بالنسبة للعبيد في هايتي، التي اندلعت فيها ثورة العبيد الوحيدة التي انتصرت في التاريخ. في حين من يرى هايتي الآن ينفرط قلبه، لأنها البلد الثاني الأكثر فقرا في العالم. وبالتالي، فإن المرء يفكر ويتساءل: ما الذي حدث لأناس خلاقين ومبدعين وشجعان إلى هذا الحد، الذي جعلهم قادرين على القتال حتى الرجل الأخير في سبيل نيل حريتهم؟
ما الذي حدث؟
خانهم جنرالاتهم، خانهم التاريخ0ن قبل كل البلدان المحيطة بهم، لا أحد أراد لذلك لنموذج أن يتكرر وأن يمضي العبيد في ثوراتهم. ولقد استغرقت تلك العملية كل هذا الوقت حتى يتحرر العبيد في الولايات المتحدة عام 1860 بعد مضي 60 عاماً ومئة عام أخرى حتى ترى الحقوق المدنية النور هناك.
لماذا لم تهرب زاريتي عندما سنحت لها الفرصة؟
في المرات الأولى، لأنها أم. عندما كان عليها الاختيار بين الحرية أو الأطفال اختارت البقاء مع سيد المزرعة من أجل حماية الأطفال، وأنا أرى أهمية كبرى في ما تقوله للطبيبة الدجالة روسا: «ما الذي أجنيه من هربي، إن بقي الآخرون عبيداً»، وكأنها تريد أن تقول: «لا توجد حرية طالما أننا لسنا أحرارا جميعا».
لكنك تطرحين كذلك أنه بالإضافة إلى ضرورة أن يكون المرء حراً، يتعين عليه المحافظة على نفسه أيضا..
التقاطع بين الحرية والبقاء أكثر أمانا في كنف السيد، لكن الناس يفضلون عموما العيش فقراء على أن تنتهك حرياتهم.
لكنها ليست حرة كذلك تلك الاسبانية زوجة السيد التي تجن.
النساء الأوروبيات اللواتي وصلن إلى أرخبيل الأنتيل في أميركا الوسطى لم يطقن المناخ ولم يصبرن على طبيعة الحياة هناك. على الرغم من أنه كان هناك نوع من العبودية في أوروبا، إلا أنه لم تحدث قط هناك الأهوال التي كانت تحدث على قدم وساق في المستعمرات، التي أصبن النساء فيها بالجنون لأنهن كن يعشن منعزلات في المزارع في ظل حرارة مرعبة مع البعوض الذي كان يلدغهن ويسبب لهن الملاريا والحمى وسط بيئة متوحشة. لكن السيد، الذي هو أوروبي بدوره، تكيف مع تلك البيئة..
فالموراين سيد مزرعة تقليدي، رجل ربما كان يظن نفسه إنسانيا للغاية لأنه لم يكن قاسياً بقدر ما كان عليه جاره، ووصل هناك مفعما بالأفكار الليبرالية الموجودة في الموسوعات الفرنسية وفي ثقافة الثورة الفرنسية، لكن ما أن راح يلتقي بعبيده ويواجه المشكلات اليومية حتى راح يتغير.
والرجل ظل مصحوبا بأيديولوجيته حسب الضرورات التي كانت تتطلبها اللحظة، الأمر الذي نراه كثيراً بين الناس الذين يصلون إلى مناصب رفيعة في السلطة والناس الذين يتمكنون من امتلاك الكثير. في نهاية الرواية تقريباً، تحشرين نفسك في موضوع شائك، موضوع زنا المحارم بين الأشقاء!
حالات زنا المحارم كانت تحدث كثيرا في المستعمرات. فالكثير من الآباء البيض كان لهم بنات بشرتهن ملونة من محظياتهم ذوات بشرة ملونة أيضا ومن ثم كانوا يعاشرون بناتهم، اللواتي كن يتحولن بدورهن إلى محظيات. كما كان زنا المحارم يحدث بين نصف الأشقاء الملونين والبيض أيضا، لأنهم ما كانوا يعتبرون إخوة، ما يعني أن الولد الأبيض الذي كان يكمل 16 عاما من عمره كانوا يفتحون له بيتا مستقلا وهناك كان يستقبل النساء. ومن كن تلك النسوة؟ كن شقيقات سود من طرف الأم أو الأب.
لكن الولد الأبيض يريد الزواج في الرواية.. ذلك لأنه مثالي، لكن ذلك الحب لم يتمكن من الازدهار.
لماذا؟
لأنه لم يكن هناك أي مكان في الولايات المتحدة تمكنا من العيش فيه. فهي كانت صبية ذات بشرة ملونة وهو كان أبيض وما كان بوسعهما إنشاء أسرة شرعية، حتى أن عمه يقول له: «ستعيش معها كما لو كانت امرأتك، لكن لا تتحدى المجتمع، المجتمع سيحتمل أن تنجب أطفالا وإن شئت فلا تتزوج مطلقاً بامرأة بيضاء، لكن إذا تزوجت منها، فإن المجتمع لن يتحمل الصفعة».
ابن زنا المحارم ذاك، خوستين، ينجو ويبقى على قيد الحياة. مع أنه ابن رجل أبيض وعبده، ابن زنا المحارم، هل يمثل هذا الطفل المستقبل؟
نعم هو يمثل المستقبل، وربما يكون أوباما نفسه لو كانت الظروف مغايرة.
أو بالأحرى هناك أمل..
في كتبي هناك أمل دوما.
