تحت عالم من الأبيض والأسود وما بينهما من رماديات، تعيش إبداعات الفنان السوري يوسف عبد لكي، معبراً عن أفكاره قبل أن يعكس قدراته الفنية، التي نلمس من خلالها وطأة المعاناة، مع الإحساس بنوعية العنصر وقدرته الإيحائية، وقيمة الخامة التي اختارها منذ بداية تكوينه الفني ومن بين أسطح هذا الجوهر الذي يمثله الأبيض والأسود وما بينهما من تناقض وانسجام، سطر عبد لكي سيرة فنية تصل إلى 35 عاماً قضى منها 25 عاماً في فرنسا.

قرر يوسف عبد لكي هذا العام العودة إلى دمشق حيث يجهز مرسمه في إحدى البيوت الدمشقية القديمة، ولوجوده في وطنه أحلام فنية قديمة وجديدة، لكن بداية الحوار معه كانت عن أهم ما يميزه كفنان، كان من أول الفنانين السوريين المشتغلين في الغرافيك، والأبيض والأسود، ولم تغره الألوان إلا قليلاً. ما الذي جذبك للتعبير بالأبيض والأسود؟من حيث المبدأ هناك بنية نفسية للمشتغلين بالأبيض والأسود وهي أنهم على الأغلب، عقلانيون أمثال بيكاسو، براك، جواد سليم وحسن سليمان، وأؤكد على كلمة على الأغلب، أما الملونون فتركيبتهم غالباً عاطفية أمثال مونيه ونولده وفاتح المدرس والحدود بين هذين الاتجاهين العقلاني والعاطفي، الخطي والتلويني هي علقة مفتوحة.

وليست حادة كأنها مرسومة بحد السكين لذا نلحظ أن أكثر الرسامين عملوا بالألوان كما أن الكثير من الملونين عملوا في مجال الخط والغرافيك كان لدي إحساس مبكر يصل إلى 35 سنة اكتشفت من خلاله أن ميولي خطية، فأردت أن أكرس جهدي وفق قابليتي الحقيقية، لذا عملت بشكل أساسي على الحفر والفحم، والحبر الصيني وبقية الأدوات الغرافيكية.

ألم تستخدم الألوان في بعض لوحاتك؟

لم استخدمها إلا حين رسمت مجموعة «أشخاص» وذلك بين عامي 1989 و1995، واستخدمت فيها ألوان الغواش، والباستيل، وغيرها، ورغم كثافة الألوان وقوة التعبير، لكني أعتبر أن هيكل الأعمال هيكل تخطيطي، أكثر مما هو تلويني، وكما ترين فإن هذا التحديد النفسي التقني يبتعد عن تفسير الأبيض والأسود بالتراجيديا، والمأساوية، إنها أداة تعبير لا أكثر، ولا أقل، ويمكن لها أن تشع بالفرح أو المأساة، إن رؤية الفنان هي الأساس أما الأبيض والأسود أو الألوان فليسوا إلا أدوات الصياغة.

يقال أحياناً ان العارفين باللون قادرين على معرفة إلى أي لون في الواقع تنتمي الدرجة الرمادية؟

ليست المرجعية هي اللون أو انعدامه، فالمسألة ليست مسألة تفضيل، إن الألوان والأبيض والأسود أداتين تعبيريتين، كما ذكرت، إن لم نقدم تصوراً ورؤية، وفناً، فالمواد لا معنى لها. من ناحية أخرى، يصبح العمل على الأسود وكثافته، وخفته، والذي يختزن كل التلونيات على المادة، وكل المتع البصرية الممكنة، إنه مادة جافة وسيالة، صعبة وممتعة في آن معاً.

ماذا عن تجربتك الملونة؟

قدمت من خلال مجموعة «أشخاص» ثلاثة كائنات إنسانية من الخيال، يتمركز شخص في منتصف المساحة، يحيط به شخصان مرافقان. الدلالة السياسية في هذه المجموعة لا تخفي نفسها، لقد كانت احتجاجاً على ما نعيشه في حياتنا السياسية من سطوة واستعراض للقوة وتبجح بالعنف. إنها بورتريه واسع لقادة يقطرون بالخيلاء الفارغة التي لم تقد شعوبنا إلا للهزائم. وبقدر ما اهتمت المجموعة باستعراض القوة بقدر ما اهتمت بالسخرية من غطرستها المهلهلة. المجموعة برمتها لحظة إدانة واحتجاج وهزء وشفقة.

لا تخلو لوحات من الرمز الذي يتكرر مثل السمكة، أو الحصان، أو غير ذلك من عناصر ماذا تهدف لإيصاله من وراء هذه الرموز؟

بداية سأفرق بين مسألتين وهما الرمز والدلالة، والرمز يعني أن ترسم أو تكتب شيئاً ما، وتقصد شيئاً آخر، وإذا بسطنا الأمور بالاستعانة بفن الكاريكاتير مثلاً، نرى أن الحمامة ترمز إلى السلم، فالسلام هو الفكرة، وأما الحمامة فهي كائن.

وأنا لا أعمل على هذه الأمور، وأعمل على دلالة الشيء، بمعنى أن ما أرسمه له مغزى أو معنى، وتعبيري، أو مأساوي، لم أعمل على «رمز» السمكة، فرأس السمكة المقطوع بحد ذاته يحمل الكثير من الدلالة المأساوية، وفيه شحنة تعبيرية وبصرية، وهذا ما يهمني في المجموعة الأخيرة رسمت علباً فارغة، أو جماجم مربوطة، بهذا المعنى أنا أعمل على تشخيصات بصرية مشحونة ولا أشتغل على رموز.

لكنك كررت من هذه التشخصيات فما الهدف من وراء ذلك؟

الإلحاح على نفس الموضوع في تاريخ الفن وارد دائماً، لقد عمل الفنان الإيطالي موراندي مثلاً لمدة أربعين عاماً على ثلاث زجاجات فارغات، وهو لا يكررها في أعماله، فهناك شغل على فكرة البناء، على الظل والنور، والملمس، لقد كان يرسم ويرسم ولكنه لم يصل إلى لحظة الاكتفاء من الموضوع.

وذات المحنة عاشها الفنان جاكوميتي الذي رسم وجه أخيه عشرات المرات، وعندما سأله النقاد لماذا رسمته كل تلك المرات، قال لأني في كل مرة أرسمه أفشل ولا أصل إلى ما أريد. غني عن القول ان جاكوميتي الذي يقول هذا الكلام أنجز بورتريهات هي تحف آخاذة في تاريخ الفن.

وعندما أعمل أشعر أني وعلى طول الـ 35 عاماً كنت ملاحقاً بمتطلبات داخلية، أكثر عمقاً من مسألة الموضوع، كنت أعمل على الحفر لأشتغل من بعدها على مجموعة «أشخاص»، ثم في الثمانينات عملت على المنظورين الشرقي والغربي، ومن ثم على الطبيعة الجامدة منذ سنوات، لقد كانت كل تلك الأعمال خطوات من عملي مع الزمن لأنفض من بعدها الشوائب، التي حررتني من التشريح كما حررتني من الصرامة الأكاديمية، ولكنها أيضاً قربتني أكثر وأكثر من نفسي ومن المعنى الحقيقي للعمل الفني.

كيف يمكن للفكر والثقافة أن تترجم في أعمال الفنان، وفي أعمالك تحديداً؟

لا يوجد عمل ذو معنى، إلا إذا كان متشبعاً بالفكر. بهذا المعنى، الفنانون الذين تركوا بصماتهم أمثال رامبرندت، دولكروا، دومييه، ليجه، بيكاسو، بيكون وغيرهم، كانوا أصحاب فكر متجدد، لم يكونوا مهرة تقنياً فحسب، المهارة والتقنية العالية مهمة لاشك، ولكنها لا تصنع فناً لوحدها، الفنان الحقيقي لا بد أن يكون له علاقة بعصره وفلسفته وأسئلته الكبرى، ولا بد أن يكون له موقف فكري وجمالي منها، لا بد أن يكون فنه على صلة وثيقة بحياته المعاشة وحياة جيله ومنطقته، دون ذلك لا يوجد فن.

تحضرني هنا قصة سمعتها عن الفنان حامد عويس الذي كان يقول لطلاب كلية الفنون الجميلة في القاهرة في ستينات القرن الماضي وهو يرى أعمالهم معبراً عن انزعاجه: «يا أولاد روحوا اقرأوا اقتصاد سياسي». دون شك لم يكن يقصد عويس الاقتصاد السياسي بالتحديد، كان يشير إلى أن الفنان الحقيقي يجب أن يمتلك ثقافة ورؤية أوسع من عمله الفني المباشر. إن امتلاك الفنان لرؤية شاملة للحياة شرط لكل تجديد حقيقي. ومن يعش بين جدران التقنية وحدها يحكم على عمله بالموت آجلاً أم عاجلاً.

ربع قرن من العيش في فرنسا بعيداً عن الوطن، ما أبرز ملامح هذه الحياة هناك على الصعيدين الشخصي والفني؟

وجودي في فرنسا كان لأسباب سياسية، ومن يعش بعيداً عن بلده بالإكراه، سيعيش قطعاً معاناة كبيرة على المستويين النفسي والتعبيري، ولكن لا بد من القول ان عيشي في فرنسا هذه الفترة الطويلة، كان محطات بمنتهى الغنى، هناك لمست لمس اليد عمل المعلمين الكبار من الفنانين، كنت أرى أعمالهم معروضة بالمتاحف وكنت ألحظ طرق عملهم، وأتمعن بطبقات الألوان التي تشكل لوحاتهم، هذه المعاينة المباشرة تقدم للفنان معرفة أكثر من عشرات المقالات والكتب عن أي فنان، وعلى المستوى الآخر أتاحت لي صالات العرض هناك إطلالة حقيقية على كل الاتجاهات السائدة الصاعدة.

ولمست، على خلاف ما يشيعه النقاد، أن هناك تعايشاً بين الاتجاهات الفنية، وأن الزمن وحده هو الذي يغربل الأصيل ويرمي الغث وأخيراً ربما يكون المعنى العميق في معايشتي للمجتمع الفرنسي هو الحرية الواسعة التي لمستها على الأصعدة الفكرية والتعبيرية، والتربوية، والعلمية، فهامش الحرية يفتح بل يفجر إمكاناتهم، ومواهبهم، وطاقتهم.

ربع قرن جعلتني أقارن مع الإنسان في المنطقة العربية كيف يعيش، وكيف يخسر وكيف يتم تحويله إلى أرنب مطيع، وكيف تعصره لقمة العيش فيصبح كل يوم من أيامه لا أول له ولا آخر، أما مستقبله فمتروك للأقدار السوداء.

ما هي مشاريعك القادمة في سوريا؟

على المستوى الشخصي ما زلت على صلة بباريس، التي كانت بوابة لي للإطلاع على ما يجري في العواصم الأوروبية الأخرى، ولكني كشخص ينتمي إلى ثقافة وحضارة المنطقة العربية أرى نفسي لا أتكامل ولا يمكن أن اكتشف أفضل ما أملك إلا بالصلة مع الآخر ومحاورته. ومن ناحية ثانية فإن لدي مشاريع مؤجلة منذ ربع قرن، أريد اليوم أن أعمل على الطبيعة، لكم أحس أن الطبيعة عموماً والطبيعة في بلدي لم يتم الغرف من غناها، سأحاول جهدي أن أرصد ضوءها وتضاريسها وعبق ألوانها ورائحتها، كما أتمنى أن أجد الوقت الكافي لأحقق كل ما هو مؤجل في ذهني من بقية الموضوعات التي لطالما اعتقدت على مدى 25 سنة أنني لا يمكن أن أنجزها إلا في بلدي والتي لا مجال الآن لذكر تفاصيلها لطولها.

عبير يونس