في زمن التصنيع المتطور جدا لتقنيات الكتابة والحفر وحلول الشاشات، من العادية إلى الرقمية، في واجهة أدوات التعبير، فان العمل المشترك بين الشاعر ادونيس والفنان التشكيلي حيدر، في إخراج كتاب «بحيرة مفردة لماء مثنى» يمثل خروجا جديدا عمّا الفناه واعتدناه في دواوين الشعر المطبوعة، نكتشف فيه وجها إبداعيا جديدا مخبوءاً، ونكتشف علاقة خفية بين الاثنين، تستخدم فيها مجموعة من المشاعر والتداعيات ليكون هذا المنجز وبامتياز خروجاً من التقليدية.
يحمل هذا الديوان الوحيد الذي لم ير النور بعد، نصوصا لعشرين مخطوطة شعرية كتبها الشاعر، يقابلها عشرون لوحة في داخل الديوان وأربعون قطعة حفر على الجانب الخلفي منها رسمها الفنان حيدر، حيث تم لصق المجموعة الأولى بمادة الغراء الحراري على ورق من نوع «كولومب» الشهير، مصنوع باليد في إحدى المحترفات الفرنسية بقياس 5676 سم.
كما تم لصق المجموعة الثانية بنفس الطريقة السابقة وبقياس 56 36. وللكتاب غلافان سميكان، الأول يحمل العنوان واسم الشاعر والفنان باللغتين العربية والفرنسية، والثاني يحمل لوحة للفنان. وتتوزع كافة الأوراق على مجلدين مصنوعين باليد، حيث تم انجاز هذه النسخة الوحيدة الأصلية في محترف الرسام في مدينة تور الفرنسية.
حوار المكتوب والبصري
تتحول نصوص القصائد إلى مرئيات يمكن تلقيها عبر السياقات التشكيلية، وكأنها رحلة بين مكونات الخطاب البصري الذي يضيء النصوص الشعرية البليغة ويضيف بلاغة بصرية إلى بلاغتها الأدبية الكائنة. ومع أن هناك على الدوام تضاد بين المعنى اللغوي والمعنى البصري، وهناك مسافة واسعة بين بنية اللغة وبنية الصورة، إذ لم تزل الفكرة المرتبطة بمفاهيم اللغة عاجزة في اغلب الأحيان أمام آنية المشهد، إلا أن وجود مثل هذا الافتراق في عملية التأويل بين( المكتوب) و( البصري)، يجعل اللوحات المرسومة تتسع لتأويلات تحتملها النصوص الشعرية بكل مجازاتها واستعاراتها ورموزها.
القصيدة الشعرية استنادا إلى الرأي الغير متداول والذي مفاده أن كل الأفكار يجري قولها ولا يبقى سوى كيفية التعبير عنها في اطر فنية مغايرة، فان النص الشعري، وفي أحيان كثيرة يتناص مع البصري ويشترك معه على الرغم من اختلاف الأداة المستخدمة في انجاز كل منهما ورغما عن استقلالية وسائط التلقي للنص البصري.
والفنان حيدر يستلهم من قصائد الشاعر ادونيس حضورا تصويريا، بهاجس استعادة اثر الألفاظ التي تشكل قصيدته الشعرية، ليبعث في أبيات هذه القصائد، هواجس ونوازع وأفكار وموقظات لمخيلة المتلقي . انه يشكل إضافة تأسيسية تبرز في مساحات تعبيرية ذات منحى تجريدي تتماهى ما بين المرئي الذي ترسمه الكلمات واللامرئي الذي ترسمه الخطوط والألوان. ليقدم لنا الاثنان ،استغراق تأملي عميق في الرموز والأشكال والإشارات، تعبيرا عن الرغبة في تفكيك أسرار تلك الأبيات الشعرية العذبة التي عودنا عليها هذا الشاعر الكبير.
لغة الشعر ولغة البصر
كما نعرف فان اللغة الشعرية، هي الصورة اللفظية للمحسوسات، وبما أن الشيء المحسوس لا يؤخذ إلا بعلاقاته مع الأشياء الأخرى، فكذلك لفظ المفردة الكلامية لا تكون جميلة أو مستهجنة ألا بوضعها داخل جملة أو بيت شعري، لتعبر عن صورة ذهنية او حسية. وعين الفنان، هي الأخرى، مازالت تجرّب وتستكشف، مسكونة بصور القصيدة وزخارف الكلمات، بفسحاتها وبتنويعاتها وكان الفنان بهذا أسير غوايات اللغة.
الفنان حيدر الذي جمعته مناسبة فنية سابقة مع الشاعر، تمثلت باقامة معرض تشكيلي مشترك في مدينة عمان، العام الماضي، لم ينشغل برسم الحرف العربي والقدرات الفنية الكبيرة له كاستجابة للاحتياجات الجمالية للوحة، في محاولة لاستلهام معنى الحضور في القصيدة، وكما فعل غيره من الفنانين الذين تناولوا هذا الأسلوب الفني المتمثل في إصدار دواوين شعرية مرسومة، بل هو استخدم في قراءته، أسلوب التجريد المستند على الجانب الاستدلالي، مبينا قدرته على التكيف مع أفكار القصيدة وتجلياتها لإعادة تشكيل الحرف بحيث يخدم المعنى الفني كما فعل الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد في لوحاته التي استلهمت الشعارات الجدارية.
بل انه ابتعد عن هذا التقليد الذي جذب الكثير من الفنانين العرب في تجربات مماثلة ليعمل على استجلاء واستكشاف إمكانيات النص الشعري. الديوان، نوع من المعرفة التي لها قوانينها الخاصة في معزل عن القوانين المتعارف عليها في حياتنا الجمالية، انه إحساس شامل بحضورنا الإنساني كمتلقين، وهو دعوة لوضع معان الظواهر الجمالية من جديد، ولهذا فهو يصدر عن حساسيتين، تحسان الكلمات والألوان إحساسا كشفيا جميلا.
موسى الخميسي
