بالألوان وتدرجاتها يحيا الإنسان، وكأن كل ما في الطبيعة من حوله يتجمل من أجله ليكون راضياً في رحلة عمر تطول أو تقصر، ولكن يكفيه تلك التظاهرة اللونية من حوله تعزف أنغاماً ملونة تشنف آذانه وتدخل البهجة على نفسه ووجدانه.

الألوان المختلفة، المبعثرة هنا وهناك في إبداع وإعجاز رائع ومتفرد في خلق كل شيء، كانت بالنسبة للإنسان الأول ـ في فجر البشرية ـ كانت جميعها تختزل في الضوء الساطع الذي ترسله أشعة الشمس، وفي الظلام الدامس الذي ينسدل في وقار على الكون تدريجياً بعد أن تلوح الشمس للكون بالغروب واعدة بإطلالة جديدة تهلل لها كل الكائنات.فالأبيض الساطع والأسود الدامس هما اللونان اللذان عرفهما الإنسان الأول.. فالشمس ترمز بالحياة، والليل يرمز للسكون والهدوء.وتدرج فكر الإنسان حتى أصبح يتعامل مع هذين اللونين الأبيض الساطع والأسود الدامس بشكل مختلف وأكثر وعياً ونضجاً نسبياً. فكيف ذلك؟

نعلم أن الظلام (الأسود) هو الوقاية والاختباء تحت الستار الأسود المنسدل الذي يحمي الإنسان من الحيوانات المفترسة، التي تشاركه تلك المساحة الرحبة، المعروفة بالعالم أو كوكب الأرض، بالرغم من أن الليل كان جزءاً من مخاوف الإنسان في فجر البشرية.ونضج أكثر، فتحول رمز الأسود لديه ليعكس الموت، أما الشمس فهي كل الحياة والحيوية والنشاط معاً.وتدرج الإنسان حتى وصل لقمة النضج، عاش وسط حضارات مختلفة وأماكن متباينة من العالم، عمل عقله بطريقة أكثر تعقيداً حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، وأصبح المسيطر على كل مظاهر الكون، معها يتفاعل وبها يحيا، وتجاهها يتفلسف ويضع النظريات ويحصد النتائج بعد دراسات مطولة.

وللألوان معه رحلة طويلة، رحلة جمال، وتأثير عليه، ومعتقدات، وأيضاً طوعها لتكون جزءاً كبيراً في علاجات نفسية أطلت من داخل أعماقه عندما بدأ عقله يتفاعل وبشدة مع كل ما حوله، ينفعل، يغضب، يرتعد من الغد المجهول، فوجد في الألوان العلاج والمعنى والارتقاء.

نعم، من هنا تبدأ معه الرحلة.مكونات الكون الأربعة، الأرض، الهواء، النار والماء، وهي تعكس حسب كل الدراسات القديمة والحديثة أيضاً، الأصفر والأسود والأحمر والأبيض.

ولكن تعقد الفكر ونضج أكثر، فزاد البحث وتركز، وأعلن المفكر بيترتشيللر الألماني الذي عُرف بدراساته المتعددة والتي تدرسها معظم جامعات العالم، بأن هناك ألواناً لا ترى بالعين فقط، وإنما لها خاصية الشعور والإحساس بها ومن هنا جاءت علاقة الإنسان بما يعرف بالألوان الداخلية التي تعكس مزاجياته، ومن هنا أيضاً جاءت العديد من المصطلحات في علم النفس والاجتماع، مثل المزاجيات الرمادية، أي تلك التي يشوبها عدم الارتياح والابتعاد عن الطمأنينة، والمزاجيات السودوية.

وهي تلك التي تدفع الإنسان للجريمة والعنف والقتل وهذه النظرية في علم الألوان تعرف باسم «العين الثالثة في رصد اللون» والمقصود بها «العين الداخلية» في عمق الإنسان والتي يتحكم فيها تركيبات كيميائية معقدة غاية التعقيد كامنة في الدماغ في الجزء الأوسط من العقل، وهي الألوان ذاتها وغيرها القليل التي يستشعرها الذين فقدوا بصرهم، وليس كما يعتقد البعض بأنهم يعيشون في ظلام ورؤية دامسة، فأثبتت الدراسات بالنسبة لفاقدي البصر كلية أو جزء منه بأنهم يرون خليط من الألوان «الداخلية» عن طريق ما ذكرناه باسم «العين الثالثة».

رحلة الإنسان مع الألوان مستمرة من حيث الرؤية وتحليل اللون، وتمثيله لرموز كثيرة في حياتنا، فماذا يقول الإنسان في هذا الصدد؟

الأبيض الساطع دون شوائب، يرمز للذكاء الخارق وللفرح والنقاء، الأصفر يرمز لنوعيات النفس البشرية، أما الأخضر فهو رمز لتحليق الخيال والأزرق رمز للسيطرة والهيمنة، هذه جميعها نتاج دراسات أعلنت نتائجها في نهاية القرن الماضي من جامعة ماساشوستس الأميركية على يد مجموعة كبيرة من العلماء في هذا المجال.

ومن أهم الدراسات في مجال علم الألوان، ما قامت به الدكتورة ليلى كورنفورد Lily Cornford مؤسسة ومديرة مركز «مايترييا» للعلاج بالألوان ودلالتها في جامعة لندن.

فماذا توضح ليلى في أبحاثها التي تدرس في العالم كله حتى الآن في مجال الألوان من حيث دلالاتها لدي الشعوب المختلفة وأيضاً توظيفها في العلاج النفسي؟

من أبحاثها الشهيرة تلك التي فيها توضح بأن القبائل القديمة من أشهرها قبائل سكان «التبت»، والفراعنة والإغريق تعاملوا مع الألوان على أنها اللغة التي تشرح العديد من المدلولات التي يريد الإنسان توضيحها للآخر، وهذا بالضبط الذي يحدث حالياً في قراءة لوحات الفنون التشكيلية المختلفة، والفن السيريالي بصفة، فاللون له معنى ومدلول، قد يقرأه كل حسب فهمه ومدى تأثره باللوحة.

وتوضح أن للألوان قوة خاصة على الإنسان، فالألوان المختلفة هي الضوء والصوت «الصامت» كالأحمر الذي يعني «صوت الصرخة والإنفجار» والحرارة والمغناطيسية والطاقة، هذه الدراسة استغرقت منها ـ ليلى كورنفورد ـ في حدود عشرين عاماً، ولكنها أذهلت العالم في العديد من الأبحاث الخاصة بمدى تأثير الألوان على الإنسان، فهي تماماً مثل تأثير الأصوات المختلفة عليه.

فالأحمر صوت مزعج ساحق، والأبيض صوت همس رقيق ومحبب، والسماوي صوت يأتي من بعيد جميل ومهدئ، والألوان الساخنة كتدرجات الأحمر والفوسفوري الأصفر والبرتقالي الداكن جميعها تشعر الإنسان بتحريك الطاقة بداخله، وهي الألوان التي يتعرض لها المريض النفسي الذي يعاني من مرض الاكتئاب والعزلة والانسحابية، فجميعها تحفز مراكز الدماغ على الخروج من هذه الحالات المرضية، ولكن بطرق مدروسة ليس للصدفة أو العفوية مكان فيها.

في أحيان كثيرة يشعر الإنسان بأنه غير صاف من داخلي، عدواني، متنمر، هنا يوجد تفسير نفسي يؤكد على أن الألوان المختزنة في المنطقة الوسطى من الدماغ، العقل، حدث فيها خلل كيميائي، وهو يحدث لأسباب كثيرة، معقدة لا مجال لشرحها فهي غاية في التخصص وهي بحثية وأكاديمية، ولكن بلغة وشرح مبسط تكون الألوان الداخلية الهادئة كالأبيض الساطع والشفاف أيضاً كماء النبع والسماوي الهادئ غائبة تماماً من مساحة العقل التي يتفاعل معها ويرسل إشارات معقدة تعمل على هدوء الإنسان واستقرار نفسه.

وتعتمد بعض علاجات العقم الناتج عن الاضطرابات النفسية لدى الذكر والأنثى معاً، تعتمد على تسليط، حزمة ضوئية لونية مكثفة ولفترات يحددها الطبيب المعالج على دماغ وعين المريض. وقد بدأت هذه النظرية ولكن بطريقة مبسطة القدماء المصريين، الفراعنة، وكان الحكماء ورجال الدين هم الذين يقومون بالعلاج. والعلم الحديث أثبت أن اللون البنفسجي الفاتح المعروف باسم «فايوليت» والموجود في الطبيعة تعكسه زهور النرجس ذات التدرجات البنفسجية المختلفة، هذا اللون يحفز الغدد الهرمونية الخاصة بالتبويض لدى السيدات فيتم الحمل الذي تعثر كنتيجة لضعف التبويض.

أما الأحمر الناري المتدرج في كثافة اللون، فهو يحفز الهرمونات الذكرية الخاملة التي يترتب عليها الضعف الجنسي لدى الرجال، فكلما زادت كثافة اللون الأحمر في التركيز، وهي طريقة معقدة في العلاج النفسي والعصبي، ترتفع نسبة تفاعل الهرمون الذكري من مستوى 23 وحدة إلى 42 وحدة، وهي نسبة قياس الهرمون في الدم.

وفي العام 1998 أطلقت الدكتورة «سوزي شيازاري» كتابها الشهير الذي حقق أكبر نسبة مبيعات خلال القرن الماضي، وهو بعنوان «الدلالات اللونية بين العلاج والجماليات» صدر في بوسطن، ومازال حتى الآن من المراجع الأساسية في علم النفس والفنون المختلفة التي تتعامل مع الألوان بحرفية متقنة.

وإذا تركنا مجال البحث والعلم والطب في عالم الألوان، وقفزنا في جمالياتها ومدلولاتها في الأعراف والعادات والتقاليد المختلفة لدى الشعوب، فإننا نجد أن الألوان هي الأبجدية الأولى لدى سكان كوكب الأرض.. كيف؟

في عادات وتقاليد الشرق الأوسط وبعض البلاد المطلة على المتوسط، تعتبر «الأبيض» لون الفرحة والنقاء والبدايات الجميلة وصفاء الرؤية والتفكير السليم، وربما من هنا استخدم الإغريق الأبيض الناصع البياض في نحت تماثيلهم، خاصة المعبرة عن الحب والجمال والحكمة والفطرة، ومن هنا ربطوا بين حليب الأم وتغذية رضيعها ومنحه الحكمة والصفاء.

وفي اللغة الشعبية في العديد من الدول العربية، يستخدم الأبيض للتفاؤل «صباح الفل»، «يومك فل وحليب»، وفي الكلام عن التصالح بين المتخاصمين، يقال: «صافي يا لبن».. يرد الطرف الآخر قائلاً «حليب يا قشدة»، وفي عبارات الغزل «ورد الخدود»، و«البنت بيضه بيضه وأنا أعمل إيه»!

وفي الفولكلور المصري وخاصة الأغاني الشعبية يقال على نغمات «ربع تون»: «يا بتاع الرمان.. رمانك بهتان.. راح على جبين ست الكل»! «يا بتاع الياسمين.. مين ينادي لك مين.. وإحنا معانا الفل».والأبيض، يغزل الفرحة في الطرحة التُلّي في ليلة العمر، ويكمل جمال العروس في فستان الزفاف، تتهادى على أنغام الموسيقى وقرع الدفوف.

وماذا عن الفضي؟ رمز لتمام البدر الذي يغازل العشاق ليلاً بإرسال أشعته الفضية في القلب فيزداد حنيناً، وهو أيضاً يعكس التفاؤل في الأحلام عندما يرى الإنسان السمك الفضي بمعنى الرزق الواسع أو العملات الفضية تعكس تفسيرات الثراء في الأحلام. والفضة لدى الشعوب الأوروبية هي رمز للأمنيات، ففي البحيرات يرمون بالعملات الفضية مصحوبة بالأمنيات الجميلة في المستقبل.

اللون الزهري «البمبي» لغة من لغات الحب والرومانسية والصداقة والمحبة، ودبلوماسية الحوار، وانعكاس لجماليات حواء عندما تضع رتوشاً من الماكياج الزهري فيظهر حمرة الوجنتين خاصة عندما تحمل صينية فضية عليها أكواب «شربات الورد» عندما يتقدم إلى خطبة فارس الأحلام المنتظر.الأصفر يعكس الغيرة والدهاء والتآمرية، ولكنه أيضاً يعكس الفعل المدبر والثقة بالنفس.

الذهبي لون الثراء والهيمنة والقوة والعزيمة والإرادة، والطاقة الإنسانية المعروفة باسم «الأورا» في علم الطاقة الخاص بالإنسان والمحيط الذي يعيش فيه، وربما من هنا فُسّر استخدام المذهبات في المساجد ودور العبادة في الديانات الأخرى بأنها تزيد من الطاقة الإيمانية، عندما تتزركش بها عمارة المساجد والمعابد، وكان الفراعنة يستخدمونه في معابدهم، ويستخدمونه في ملابسهم وأقنعتهم التي من أشهرها القناع الذهبي لتوت عنخ آمون رمز السيطرة الفرعونية.

الأخضر رمز الخصوبة والنفس الهادئة والنجاحات، والتناغم بين الإنسان والطبيعة، أيضاً هو يعكس كل البدايات الجميلة، فالنبتة الخضراء هي بداية لزراعة كبيرة مثمرة.. هي الحقول والنماء والخير البني هو الأرض والانتماء والطمي رمز الخير، والاستقرار والامتداد والأمومة وهي رمز للولادة وإعمار الكون، هو البنفسج، ورائحة الخبز وقوالح الذرة وذاكرة الإنسان التي تشكل حنينه لأرضه للخبز والرحايا، لصوت السواقي وخير الأرض واستمرار النمو، هو الإنسان نفسه في مسيرته الدنيوية، وهو المنتهى في مثواه الأخير فوق الثرى ينتظر الحساب أو الثواب!

الأسود متعدد المعاني لدى شعوب العالم، رموزه كثيرة ومعانيه راسخة رسوخ الليل، هو ملك الألون في عالم الأزياء والسيدة التي ترتدي الأسود بكل جمالياته يطلق عليها اسم «البجعة السوداء» هو الوقار والغموض والحشمة، والحزن، وأيضاً الفرح، هو الصمت والصبر، هو المحايد مع كل الألوان الأخرى، تنحى له وتفتخر بالتداخل معه في الأزياء، هو الليل وجماليات اللون في حوار السكون، هو لون في عَلَمْ يعكس الانتماء للأوطان، هو جماليات عيون المها السوداء المتسعة، وعيون الصبايا اللامعة في حالة حب جديد، هو الحقيقة من دون رتوش، هكذا كانت معاني الأسود عند العديد من الشعوب، وبعضها يعتبره رمزاً للمصائب فيقولون «كان نهاراً أسود»!

الرمادي لون يعكس المحايدة والتوازن فيما بين الأسود والأبيض هو لون يعكس تقلبات المزاجيات، كما يعكس عدم الابتكار، وعدم ترك بصمة أو انطباع عند رؤية بعض الأشخاص. وأياً كنت الألوان ودلالاتها ورموزها، فهي تتدرج معنا في مسيرة حياتنا منذ الصغر وحتى نهاية العمر، لها جمالياتها تعكس الأزياء والفنون والديكور، ولها انعكاسات في الموروثات الشعبية، ولكنها ضرورة في حياتنا، حياة بلا ألوان.. هي نفق العمر المظلم، فاللون والإنسان وجهان لعملة واحدة متعددة الرموز والمعاني.

منى مدكور