يمكن الحديث عن صخب البيت أو صمته البليغ، فتكون الستارة رنيناً أو هسهسة لغة في إيجاد علاقة برزخية بين الصمت والصخب. إن الستارة... صنارة المفاجآت.
رغم أنها متعددة في تركيبها، متنوعة في طبيعتها، تتراوح بين شفافية تتوسل الرقة القصوى، وثخن يوغل في السماكة وما في التفاوت القائم هذا من درجات كثيرة، إلا أن الاسم ابتلع المسمَّى، فكان سقوط المرئي على جبهته. الستارة! ذلك هو الاسم حيث تشير إليه صفته في عزل الداخل عن الخارج، وكأن صفتها طوع أمر موصوفها!
تنتمي الستارة في مفهومها غالباً إلى عالم الأحلام والخيال أكثر مما تنتمي إلى عالم اليقظة والواقع، إذ ما إن تنسدل حتى تتوارد جملة تخمينات وتتداعى تصورات، وقبل أن تُرفع يكون ثمة زخم من التوقعات عما يجري خلفها في المسرح، وحتى الكواليس تعتمد في غموضها على خاصية ستارية، وما إن تُرى ستارة تحجب ما وراء نافذة شفافة ببلورها حتى يتنامى الفضول، ويكون الناظر نهب المفارقات.
إن نافذة متمترسة بستارة توحي بغموض وهيبة، وهذا يتوقف على لونها ومادتها ومستقرها، بين أن تكون لغرفة النوم أو المكتب أو الصالون أو المطبخ: ستارة العاشق أو المتوحد مع نفسه أو الرابض وراءها والقائم بدور الفلكي في ممارسة هواه، أو الداخل في لعبة الترقب وتتبع حركات مطلوبة، فلا يمكن الخلط إذاً.
يتم التركيز بالطاقة البصرية المثلى على الكائن الإنسي الذي يقف وراءها، على التقاط يد أو رؤوس سلاميات تشد عليها هويً كما لو أنها تعزف على ملامس بيانو، لتقدير الجمال المرصود في الداخل مثلما أن الستارة تمنح كائنها ما من شأنه الدخول في لعبة التهويمات أو حرب أعصاب مع عالم ممتد في المحيط، وتبعاً للمكانة الممنوحة لصاحبها، وما إن تُسحب حتى يتم تحليق العين بنظرها صوب الأفق المتعرى تدريجياً في الداخل.، وهنا يمكن الحديث عن صخب البيت أو صمته البليغ، فتكون الستارة رنيناً أو هسهسة لغة في إيجاد علاقة برزخية بين الصمت والصخب. إن الستارة... صنارة المفاجآت!
ليس هذا فحسب، إنها أبعد من كونها عنصراً حيوياً من عناصر البيت وأثاثه، وشهادة أحواله، فهي تكون ذات عمق درامي في تكوينها، تستقطب صراعات وتلون محيطها في مفصليتها، لذلك يسهل اعتبارها استلهاماً غنائياً في الصميم، إنها الصوت الذي يكون ملء السمع والنظر، ملء الأصابع في مرونتها والمنتظَر خلفها، وعلى أنها شارة مرورية مذهلة وهي عرَّابة النور والعتمة، وسائطية بامتياز، فلا يكون من غرابة حين يُحتفى بها غنائياً، فهي ليست الجدار الفاصل.
كما أنها ليست الحدود المفتوحة، إنما تستند إلى مستند، حيث لا توجد بذاتها، ولعلها قادرة على أن تسمي أهلها أو أناسها أو أذواق المعنيين بها، وحتى طبائع معينة في مصدرها وحبكتها وما يكوّنها، وهنا يكمن دورها الانقلابي على ولي أمرها المكاني، إذ إن السقف الذي يجلوها عالياً، والجدار الذي لا حضور لها دونه، يستمدان منها قيمة جمالية، وحراكاً دلالياً معتبرَاً، لا يعود المكان كسابق عهده، إنما في عهدة الستارة!
نعم، الستارة، وهي محط النظر، لا تعني الغموض الغموض، كما ذكرت، بقدر ما تلطّفه، لا تعني الوضوح الوضوح، كما نوهت، بقدر ما تصرّفه، إنها اللقاء الصعب والمحفَّز العذب بينهما، واستجابة لرغبات الذين غفلوا عن أهميتها بدقة، لكنهم آثروا الصمت والاعتراف الضمني بالخفي فيها، وإن تكتموا على طائفة من مزاياها. إنها الشاشة الشديدة الخصوصية بمعنى ما، لا تستجيب لصورتها أو صورها، فهذه في ذمتها.
حيث تستعرض وجوها سرعان ما تنزلق على سطحها الشلالي ثقلاً، أو هفهفة، وهي تختبر خيالات شعرائها، شذاذ آفاقها الهابطة، بقدر ما تمارس اختبار جهد أفئدة المأخوذين بما ، وبمن وراءها، بحسب المكان والزمان وخاصية الناظر، وأن التقاط الأنفاس يكون حرفة المخطوف بحركتها، كما هي صنعة المتباري المتخفّي وراءها، وكأنها مهبط أرواح تترى!
أليس الشعر في حد ذاته ستائرياً متعدد الطيات والتعاريج، جمعاً مفتوحاً للعبة الظل والنور، مزيجاً حياً لحوار الواقع والمتخيل عبر ما يرتسم على صفحتها، ويعوم طيفياً على نسيجها المتموج المتهادي بغواية اللصيق بها؟
الستارة: مجاز المبنى والمعنى، أي المبنى الذي يمنح الستارة قيمة حسية مطواعة، والمعنى الذي يخرج المبنى من حالته الحسية المباشرة، كرمى متعة جمالية معاشة، كما لو أن ثمة اتفاقاً على العالم المركَّب لها، معانقة ومفارقة متناوبتين، حيث إننا نضفي على أنفسنا قيمة اعتباريةً لا يسبَر قاعها، والبيت في أصله مفهوم حيوي فائق التصور.
كما أن الشعر لعب على الحقيقة، احتماء بالستارة ومواعدة بين وجوه تتنفس بكامل كينوناتها الجسدية، وليس سوى النسيج العالق هو الذي يتبخر تحت وطأة الأنفاس، وتدفق حركة الصور من الجهتين.....
ثمة في البيت دائماً وعبر زواياه وغرفه ما يشبه لعبة( الغمّيضة)، ثمة الستارة التي تؤنسنه، والبيت نداء شعري من وراء ستارة هذه التي تكاد تشبه الأفق للبيت من الداخل ولما وراء انسيابيتها العمودية، غوصها في الفراغ القائم، والنص ذاته انفساح ستائري، والبيت كتاب، وتكون فذاذة القارئ: الناقد، في لمس الشاعر طيَّ ستارته: كلماته كما هو شعور المأخوذ ببحة صوت مغنٍّ موعود بمن يحب عبر إطلالة تتعهدها الستارة العاشقة مع الزمن!
تبرز الستائرية كقيمة تبصرية في عالم اليوم علامة فارقة، ماضية بنا إلى الأعماق كما هي صاعدة بنا صوب الآفاق، لكل منا أكثر من ستارة تعني ذاته يحركها هواء رغبة، أو تستبد بها رياح عاطفة في سباق متتابع لها ، ولكل نفس مبدعة صنوف ستائر مسدلة أو نصف مسدلة أو منزاحة أو نصف منزاحة حيث يتنوع الاتجاه، ولا يعلم بأمر ثراء الستارة إلا أهل العشق والشعر والبيوت التي تشير مداخلها ومنافذها إليها، وفي الحالة هذه، تكون المتعة الكبرى في كيفية تلمس الآخر ومباغتته وهو وراء ستارة ما، بينما هو كليَّ اليقين أنه دون رؤيته الفعلية!
إبراهيم محمود
