في هذا الكتاب الجديد، يعود المؤرخ «اندرو روتر» للحديث عن «هيروشيما، قنبلة العالم». وهو يضع عملية قصف مدينة هيروشيما اليابانية بالسلاح الذري من قبل الطيران الأميركي ووضع حد نهائي للحرب العالمية الثانية عبر استسلام اليابان ضمن إطار السياق العالمي الذي كان سائدا آنذاك.
ويصل المؤلف في تحليلاته لردود الأفعال اليابانية على قصف الأميركيين لمدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية إلى القول أن عملية القصف تلك، بالإضافة إلى التدخل السوفييتي، شكّل الإطار الذي فتح أمام الإمبراطور الياباني هيرو هيتو الباب من أجل وضع حد نهائي لتلك الحرب التي كان من الواضح سوف تخسرها دون أدنى شك.
وما يؤكده المؤلف هو أن الولايات المتحدة الأميركية لم تكن وحدها التي قررت الشروع بتصنيع السلاح الذري، ولكن كان العلماء الرئيسيون الذين عملوا على تصنيعها قد شرعوا ببحوثهم العلمية على «مشاريع جنينية» في بلدان أخرى أرادت الحصول على السلاح الذري. كذلك يتم التأكيد في نفس السياق أن الأميركيين لم يكونوا وحدهم الذين فكّروا باستخدامها.
ويذهب المؤلف أكثر في هذا الاتجاه وصولا للتأكيد أنه ما كان لأية قوة أخرى أن تتردد أكثر من الولايات المتحدة في استخدام السلاح الذري. ثم هذا ما يجد مصداقيته، برأي المؤلف، في واقع أن القوى الكبرى الأخرى من بريطانيا وحتى كوريا الشمالية ومرورا بفرنسا وبالصين والهند وإسرائيل والباكستان، جهدت بعد سنوات الحرب مباشرة من أجل امتلاك السلاح النووي.
وضمن واقع سباق التسلح الذي عرفته فترة الحرب الباردة، والسعي من قبل العديد من الدول للانضمام إلى «نادي القوى النووية»، غدا من الممكن وصف القنبلة النووية أنها «قنبلة العالم». وكانت قد أصبحت كذلك، كما يشير المؤلف، منذ أن ألقى طيار أميركي قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما ذات صباح من بداية شهر أغسطس من عام 1945. وقد أصبحت أيضا «قنبلة العالم» بالمعنى التكنولوجي والأخلاقي أيضا، وعلى العالم بالنتيجة أن يواجه نتائجها الإستراتيجية والسياسية والثقافية خلال السنوات التالية.
إن المؤلف يشرح على مدى فصول هذا الكتاب المسيرة التاريخية «الدولية» التي أدّت إلى تطوير القنبلة النووية. وتمثل الأزمة المالية والاقتصادية الكبرى التي شهدها العالم سنة 1929، أحد نقاط الانطلاق في تحليلات المؤلف. ذلك على اعتبار أن تلك الأزمة كانت الخلفية، أو على الأقل أحد الأسباب البعيدة، التي أدّت إلى نشوب الحرب العالمية. هذه الحرب كانت بدورها حافزا أمام علماء العديد من البلدان للتوصل إلى سلاح «حاسم» يضمن هزيمة النازية. وإذا كان العلماء المعنيون ينتمون إلى بلدان وأمم شتى، في مقدمتها ألمانيا، فإن المؤلف يصف الكيفية التي قامت فيها الحكومة الأميركية «في زمن الحرب» باستغلال جهود أولئك العلماء لتصنيع السلاح الحاسم.
ويولي المؤلف أهمية خاصة لدراسة النهج السياسي الأميركي الذي كان وراء اتخاذ القرارات الإستراتيجية لقصف هيروشيما وناغازاكي بالسلاح الذري. كما يدرس الآثار الفعلية التي خلّفتها القنبلة على المدينتين اليابانيتين وقبلهما على معنويات الشعب الياباني نفسه.
ولعلّ من أهمّ ميزات هذا الكتاب أن المؤلف يستعرض السياق الذي سبق الحدث المتمثل في استخدام السلاح الذري ضد مدينتين يابانيتين، كما يدرس النتائج التي ترتبت مباشرة على ذلك والتي لم يكن أقلها إعلان اليابان لاستسلامها، ثم يدرس مسار التطور الذي عرفه السباق إلى التسلح النووي على الصعيد العالمي. ويضع المؤلف هذا كله في سياق إمكانيات، «نظرية» على الأقل، لحصول مجموعات متطرفة على أسلحة دمار شامل، من بينها السلاح النووي.
ويشرح المؤلف بالتفصيل عددا من المشاريع «العلمية» التي كان قد بدأها علماء ألمان خاصة في بلادهم، ثم استكملوها في الولايات المتحدة الأميركية كانوا قد هاجروا إليها بعد وصول الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا ـ بالنسبة للألمان ـ اعتبارا من عام 1933. وكان قد جرى «تكثيف» العمل في تلك المشاريع الأولية بفعل «الضغط» الذي خلقته ظروف الحرب.
كذلك يشرح المؤلف كيف أن القنبلة التي استهدفت هيروشيما وناغازاكي وقتلت الآلاف من أبناء المدينتين شكّلت أيضا «لحظة مركزية» في مسار العصر الحديث. لقد أصبحت «لحظة مفصلية» هناك ما قبلها وما بعدها. ذلك أنه اعتبارا من تلك اللحظة دخلت الترسانة النووية في حسابات القوة وفي مفاهيم الردع. كما أصبحت المسألة النووية إحدى معطيات العلاقات الدولية. وبهذا المعنى كانت القنبلة التي أنهت الحرب العالمية الثانية قد ولّدت بنفس الوقت ملامح عالم جديد.
بكل الحالات تبقى الفكرة المركزية في هذا الكتاب هي تأكيد المؤلف، وفيما هو أبعد من النقاشات حول النتائج الأخلاقية والمعنوية وما سببته عملية القصف من قتل وخراب، أن القنبلة التي ضربت هيروشيما كانت «قنبلة العالم»، بالمعنى التكنولوجي والأخلاقي، ولم تكن مجرد اختراع أميركي.
وما يمكن قوله هو أن هذا الكتاب ليس مجرد إضافة «كميّة» إلى سلسلة الكتب الطويلة التي كرّسها مؤلفوها لاستخدام السلاح الذري للمرة الأولى في التاريخ ضد مدينتين يابانيتين في شهر أغسطس من عام 1945.
الكتاب: هيروشيما، قنبلة العالم
تأليف: اندرو روتر
الناشر: جامعة اكسفورد 2009
الصفحات: 384 صفحة
القطع: المتوسط
Hiroshima, the world's bomb
Andrew Rotter
Oxford University Press ـ 2009
