يعتبر الصحافي «مايكل شومان» من أشهر المختصين بالشأن الآٍسيوي في الولايات المتحدة الأميركية. لقد قدّم مؤخرا كتابا تحت عنوان «المعجزة» مع عنوان فرعي يوضح موضوع اهتمامه هو: «التاريخ الملحمي لبحث آسيا عن الثروة».
ما يؤكده المؤلف منذ البداية هو أن الاقتصادات الآسيوية مثّلت بما برهنت عليه من نشاط وما حققته من صعود اقتصادي أنها تشكّل تحديا حقيقيا للمقولات الاقتصادية اللبرالية السائدة التي تؤكد على حرية المنافسة واحترام قواعد السوق. ذلك أن الدول الآسيوية الصاعدة ركزت بالأحرى على التصدير وعلى تبني سياسات تصنيع وضعت الدول نفسها خططها وبرامجها.
ويرى المؤلف أن هذه المقولة تنطبق على الصين واليابان والهند كدول كبرى، كما تنطبق على دول متوسطة مثل تايوان وكوريا الجنوبية.ويشرح المؤلف أن آسيا، وبعد أكثر من فترة جيل واحد بقليل، وبعد قرون طويلة من الجهود إذا لم يكن من التقهقر، غدت تجسّد الصورة الصاعدة والقوة الصاعدة للاقتصاد العالمي. هذا التحول هو الذي أطلق عليه كُثر بمن فيهم مؤلف هذا الكتاب، صفة «المعجزة».
لكن المؤلف يؤكد أن تحقيق مثل هذه المعجزة لم يكن سهلا، بل إن المعنيين وأصحاب القرار في كوريا والهند أو غيرها قد اتخذوا قرارات شجاعة، وقبلوا تضحيات بطولية سمحت كلها بجعل صعود آسيا أمرا ممكنا».
ولا يكتفي مؤلف هذا الكتاب بتوصيف الآليات «الملحمية» التي عرفتها تسعة بلدان آسيوية من أجل تحقيق الصعود الاقتصادي الهائل، لكنه يبحث أيضاً في التيارات التاريخية الكبرى التي تسمح بالقول أيضاً ان المسألة تتجاوز الاقتصاد بحيث انها قد تكون مفيدة من أجل تخليص العالم «النامي» من آفات الفقر وإرشاد البلدان المتقدمة من أجل بلوغ درجة أعلى من الازدهار. ويشرح في هذا السياق كيف أن شركات آسيوية.
ومن بين الأكثر شهرة، مثل سوني وهوندا اليابانيتين أصبحتا ذات بعد عالمي. كما يشرح في «حركة معاكسة» كيف أن التبدلات التكنولوجية والاقتصادية العالمية جعلت بدورها ازدهار آسيا أمرا ممكنا كما أثبت الواقع.
ولعل من أهم سمات هذا الكتاب هو أن مؤلفه لم يكتف أبدا بشرح البعد الاقتصادي للصعود الآسيوية ولكنه تعرض أيضاً لدراسة «البعد الإنساني» في هذا التاريخ الاقتصادي. هكذا يتم التعرض إلى الدور الذي لعبه عدد من القادة الآسيويين وليس أقلهم شأنا وينع هسياو في الصين، على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية من رؤساء مؤسسات وغيرهم في تحقيق المعجزة الآسيوية.
ومن الواضح في هذا السياق، حرص المؤلف على الابتعاد الكامل عن المواقف الإيديولوجية. هكذا يجد القارئ أمامه عرضا لكثير من الأفكار ومن الأفعال والأدوار والتي قامت بها شخصيات ومجموعات آسيوية ذات مشارب مختلفة يختلط فيها ديمقراطيون ودكتاتوريون وجنرالات وموظفون كبار واقتصاديون ومهندسون.
هكذا نجد جنبا إلى جنب شخصيات سياسية شهيرة ولكن أيضاً مؤسسي شركات مثل اكيوموريتا مؤسس شركة هوندا اليابانية. هذا إلى جانب أصحاب قرارات أقل شهرة من أمثال «بارك شونغ هي» الذي قلد اليابانيين وقاد عدة قطاعات من بينها الحديثة، و«عظيم برنجي» الهندي. وفيما هو أبعد من الأسماء يركز المؤلف على القول ان هؤلاء جميعا وحّد بينهم حلم واحد هو «رفع آسيا» إلى المكانة التي تستحقها في العالم ووضع حد للفقر الذي يثقل عليها من كل جانب».
ويدلل المؤلف على صعود آسيا بالعديد من المعطيات والأرقام. هكذا نعرف مثلا أن متوسط دخل الفرد في اليابان كان أعلى بقليل عام 1890 مما كان في المكسيك وأقل مما كان في الأرجنتين. وبعد قرن من الزمن، رغم الخراب الذي سببته الحرب العالمية الثانية، أصبح دخل الفرد الياباني يزيد عن ثلاثة أضعاف المكسيكي وعن ضعفي الأرجنتيني وأقل بقليل من دخل الفرد الأميركي. وما بين نهاية القرن التاسع عشر ونهاية القرن العشرين نجح الاقتصاد الياباني في الازدياد بسرعة مرتين أكثر مما عرفته بريطانيا.
وفي مطلع سنوات 1960 كانت كوريا أفقر من ليبيريا، وبعد 35 سنة أصبحت في عداد أعضاء البلدان الغنية المصنعة أي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية». والملفت للانتباه هو أن مؤلف هذا الكتاب يقدم ما حققته اليابان وكوريا وغيرهما من البلدان الآسيوية الصاعدة وكأنه «سيرة اقتصادية» على غرار سيرة الأشخاص.
هكذا نجد في كل فصل من فصول الكتاب سيرة رجل سياسية أو سيرة رجل أعمال كبير آسيوي. ويركز المؤلف على القول أن العقلية الأميركية تنظر غالبا إلى النمو الآسيوي ضمن نفس الإطار، هذا في الوقت الذي كانت فيه كل أمة آسيوية قد اتخذت سبيلا مغايرا إلى الازدهار.
اليابان وكوريا الجنوبية قررتا حماية سوقهما الداخلي. وهونغ كونغ وسنغافورة استقبلتا الاستثمارات والشركات الأجنبية. وركّزت الهند على رقابة الاقتصاد وتقليص البيروقراطية.
وفي الوقت الذي تدخلت فيه الحكومة الصينية ما يعد ماو في الاقتصاد، انحسر دورها في اليابان وكوريا.«المعجزة»، كتاب لا يقدم فقط أسباب صعود آسيا وزيادة نفوذها في العالم، ولكنه يكشف أيضاً كيف أن التغيرات العميقة التي شهدتها آسيا لا تزال تواصل انتشارها عبر الاقتصاد العالمي. ويصل المؤلف إلى القول ان تداعيات الصعود الاقتصادي لآسيا هي واعدة ومدهشة ومصدر إلهام لبقية العالم.
الكتاب: المعجزة
تأليف: مايكل شومان
الناشر: هاربر بيزنس نيويورك ـ 2009
الصفحات: 422 صفحة
القطع: المتوسط
The miracle
Michael Schuman
Harper Business - New York - 2009
p. 422
