ماذا يخبئ لنا المستقبل؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه وزير التربية الفرنسي الأسبق كلود اليغر ويحاول الإجابة عليه في كتابه الصادر قبل أسابيع تحت عنوان «العلم هو تحدي القرن الحادي والعشرين».
وتتمثل خلفية هذا السؤال بواقع القلق الذي يعيشه العالم اليوم حول ما يخبئه المستقبل وفي ظل حالة من الخوف حيال كوارث بيئية قد تستجد وأزمة مالية عالمية لا سابق لها منذ تلك التي عرفها عام 1929 وتبعها كساد اقتصادي عالمي استمر لسنوات.
وأيضا في الوقت الذي خبت فيه آمال البشر بقدرة العلم على السيطرة على الطبيعة لتنطرح بقوة مسألة السيطرة على العالم نفسه وفي مثل هذا السياق يطرح المؤلف أسئلة أخرى من نوع: هل سنكون قادرين على أن نترك لأطفالنا عالما يسوده الانسجام بين البشر وبينهم وبين الطبيعة؟ أو على العكس، هل سنترك عالما تسوده المجاعات ونزاعات الحضارات والأزمات الاقتصادية المستدامة؟ ولماذا لا تتم مناقشة هذه الأسئلة كلها على ضوء العلوم والتقنيات التي تشكل محرّك التاريخ؟
إن المؤلف يحاول الإجابة على مثل هذه الأسئلة والعديد غيرها عبر البحث في آفاق تقدم العلوم في القرن الحادي والعشرين والنتائج التي قد تترتب عليها بالنسبة للمجتمع الإنساني الذي أصبح ذا نزعة عالمية بالإضافة إلى تعدد أقطابه. ويتم تقديم آفاق العلم وتحدّي القرن الحادي والعشرين من خلال تسعة فصول تحمل العناوين التالية للقرن العشرين».
و«ولادة علم الحياة» و«الحاسوب والطريقة الجديدة في رؤية العالم» و«العلوم الفيزيائية في القرن الحادي والعشرين» و«حياة ينبغي اكتشافها، وأشكال حياة ينبغي تحويلها» و«العلوم العصبية والمعلوماتية» و«تاريخ العالم» ثم أخيرا «أزمة طاقة»؟
ومن الواضح أن المؤلف يحرص على الابتعاد عمّا يسمي ب»الخيال العلمي والتركيز على أشكال التقدم العلمي والتقني الهائلة التي قد ترى النور مستقبلا. ويتعرّض بالتالي للبحث في الأسئلة الصعبة جدا و«المخيفة أحيانا» التي سوف تبرز شيئا فشيئا. ذلك مثل المتعلقة بمعرفة إلى مدى يمكن لعلوم الحياة أن تتوصل والدرجة التي قد يستطيع العلم فيها أن يتدخّل بالطبيعة.
ويشرح المؤلف أن التاريخ الإنساني وحضاراته هو أولا نتاج التقدم العلمي والتقني. والباقي تبع دائما هذه الحركة. ثم إن درجة تطور البلدان كانت محكومة باستمرار بمدى قدرتها على أن تتمثل بسرعة مكتشفات العلوم أو الاختراعات التكنولوجية.
ونقرأ: «هل يدرك أحد أن القوة المتعاظمة لأميركا في القرن العشرين وسيطرتها على العالم تجدان جذورهما بعبقرية مهاجر صربي ـ يوغسلافي ـ اسمه نيكولا تسلا كان قد استخدم التيار المتناوب من أجل نقل الشحنات الكهربائية إلى مسافات بعيدة مما أمن الإضاءة للجميع على الشاطئ الشرقي لأميركا»؟
ويضيف: «وهل من المعروف أن تأخر أوروبا بدأ في تلك الفترة من خلال ما أبدته من تردد حيال الكهرباء»؟ ولا يتردد المؤلف في نفس السياق من القول ان «التخلف التكنولوجي» الأوروبي الحالي يعود أساسا إلى «خطأ في التقدير» حيال أشكال التطور المستقبلية للمعلوماتية. ذلك أن الأوروبيين مالوا نحو ما هو «ضخم» وإلى «الحواسيب الكبيرة الحجم» بينما أن «الحواسيب الصغيرة، الميكرو» هي التي تطورت.
ويشير المؤلف أنه لا ينبغي على الحكومات اتباع «القواعد الديمقراطية» في ميدان العلم ذلك أنه «في ميدان العلم ليس القبول العام هو المعيار الجيد الذي ينبغي التقيّد فيه منذ اللحظة التي يتعلق فيها الأمر بقطيعة فكرية وتكنولوجية. ذلك «أن الأفكار المجددة لا تحظى دائما سوى بالأقلية».
ومن الظواهر التي يحدد المؤلف القول انها سوف تفرض نفسها خلال القرن الحالي قوله: «إن أمل الحياة سوف يطول كل يوم لمدة شهرين». لكن هذا التقدم العلمي سيكون له وجهه الآخر، ذلك أن «تلك الشيخوخة تطرح مشاكل طبية واجتماعية واقتصادية كبيرة». وأولئك الذين قد يتجاوز عمرهم التسعين سوف يكونون في حالة تبعية شبه كاملة للآخرين. وبالتالي لا بد من الاستعداد لبناء كميات كبيرة من «مآوي العجزة».
يضاف إلى هذا ما تطرحه الشيخوخة «المتقدمة» من مشاكل على صعيد الضمان الاجتماعي وسن التقاعد وسن العمل. ويتحدث المؤلف في هذا السياق بناء على معطيات الواقع الطبي والصحي الحالي ومنظور تطوره أن متوسط العمر سيكون عام 2060 حوالي 105 سنوات وبسن أقصى يصل إلى 120 سنة.
هذا يعني أن الأسرة الغربية ستعد في مجمل أجيالها ما بين 40 إلى 50 عضوا. هنا يتساءل المؤلف: «ماذا ستكون عليه الروابط الأسرية آنذاك»؟ إنها ستكون روابط «قبلية»، كما يقول. وماذا عن مسألة الإرث»؟ «إنكم سترثون أهلكم عندما تبلغون التسعين من العمر».
ويعلن المؤلف أشكالا كثيرة من التطور العلمي والتقني على صعيد الزراعة حيث ستعمّ الزراعات «المهجّنة وراثيا» في مختلف القطاعات من قمح وفواكه وخضار. ويؤكد أن المشكلة ـ المعضلة الرئيسية في هذا السياق ستكون المياه. نقرأ: «إن المياه سوف تصبح المشكلة رقم واحد في العالم، خاصة في المناطق ذات الزيادة السكانية الأكبر».
ومن بين قائمة الاكتشافات الطويلة التي يخبئها لنا القرن الحادي والعشرين، يؤكد المؤلف أن «الحواسيب سوف تتابع مسيرة تصغير حجمها أكثر فأكثر» مع زيادة القدرة على معالجة المعلومات. وفي أفق عام 2050 يبدو أن العالم سيكون محكوما بفئة «عليا» تملك المعرفة وستعمم تطبيقاتها «دون فهمها» و«دون جهد». ويسأل المؤلف: «الفهم والجهد كلمتان أساسيتان بالنسبة للقرن الحادي والعشرين، لكن هل ستظلاّن مترابطتين».
ومن «الأخبار السعيدة» التي يقدمها المؤلف هو أن التكنولوجيات الطبية سوف تنتصر على مرض «الزايمر»، لكن العولمة سوف تنتهي.
الكتاب: العلم هو تحدي القرن الحادي والعشرين
تأليف: كلود اليغر
الناشر: ستوكا ـ باريس 2009
الصفحات: 396 صفحة
القطع: المتوسط
La science est le défi du XXIe siècle
Clause Allègre
Stock ـ Paris ـ 2009
