بعد الأزمة المالية العالمية التي بدأت ملامحها الأولى منذ عام 2007 ولا تزال قائمة حتى الآن، أصبح من المألوف الحديث عن «عبثية السوق» الذي كان صاحب سطوة حقيقية في ظل العولمة الليبرالية. والفيلسوف الفرنسي بيير داردو وعالم الاجتماع الفرنسي أيضا كريستيان لافال يقدمان كتابا تحت عنوان «عقل العالم الجديد» ـ المقصود بالجديد هو العقل ـ يشرحان فيه أن الفوضى التي شهدها العالم ليست مجرد «جنون» ولكنها تأتي من عقلانية لها «جذورها الدفينة المنتشرة والعالمية».
وهذه العقلانية، التي تشكل «عقل» الرأسمالية المعاصرة، هي اللبرالية الجديدة نفسها. ويؤكد المؤلفان أن فهم هذه الليبرالية الجديدة يشكل الوسيلة الوحيدة من أجل التوصل إلى قدرة مقاومتها وبالتالي فتح طريق آخر للمستقبلوتتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية تحمل العناوين التالية: «حدود الحكم» ثم «إعادة التأسيس الفكري»، وأخيرا «العقلانية الجديدة». ويحتوي كل قسم على عدة فصول. هذا بالإضافة إلى مقدمة يتم تكريسها للبحث في «فخ الإيديولوجيات وتقديس الدولة»إن المواضيع التي يتم التطرق لها في هذا الكتاب عديدة بحيث تشمل علم الاقتصاد السياسي والتوترات القائمة بين المصلحة «الشخصية» والأخلاق ومنظومة المصالح والمجتمع المدني خاصة في علاقته مع التاريخ وأزمة الليبرالية التي تولّدت عنها الليبرالية الجديدة وتركيزها على أولوية مفهوم السوق والمنافسة والسياسات الاجتماعية في ظل العولمة، الخ.
وتتمثل الأفكار الأساسية التي يتم التأكيد عليها في تحليلات هذا الكتاب بالقول ان الأزمة الاقتصادية أحدثت نوعا من «القطيعة الإيديولوجية» لدى معسكري اليمين واليسار حيث تسود لديهما فكرة أن «الرياح هي بصدد تغيير اتجاهاتها». وان هناك دورة تاريخية هي بصدد أن تنغلق». والمقصود بذلك تحديدا هو «دورة انتصار الليبرالية».
ما يحاوله المؤلفان بعد عرض مختلف الآراء المطروحة حول الليبرالية الجديدة هو تقديم بعض المفاتيح عبر اللجوء إلى تاريخ الأفكار والفلسفة وعلم الاجتماع. والبدء بالتأكيد أننا لم ننته بعد من الليبرالية الجديدة»؟ ولا يكفي الإعلان عن «نهاية» فترة «الفوضى» وحرية العمل دون رقيب حتى يكون قد جرى «دفن النموذج الليبرالي الجديد».
ويعرّف المؤلفان الليبرالية الجديدة، اعتمادا على الأفكار الفلسفية التي طرحها الفيلسوف ميشيل فوكو، بالقول: «يمكن لليبرالية الجديدة أن تعرّف نفسها أنها مجموعة الخطابات والممارسات والإجراءات التي تحدد نمط حكومة جديدة للبشر حسب المبادئ الكونية للمنافسة». ويضيفان بالاعتماد على هذا التعريف، أن تحقيق مثل هذا البرنامج يفترض بالضرورة بناء «دولة قوية» و«قواعد» للسلوك وليس «السماح بكل شيء».
كذلك يعود المؤلفان من أجل شرح، وتثبيت، مثل هذه الفرضية إلى تلك الندوة المعروفة باسم «ندوة والتر ليبمان» ـ باسم الصحافي الأميركي الذي نظّمها عام 1938- والتي عرفت تثبيت أركان «الليبرالية الجديدة» حيث اتفق اقتصاديون كبار، بينهم فريديريك هايك، على «موديل» ليبرالي جديد يؤكد على إعادة بناء الليبرالية حسب قواعد محددة مع التأكيد على «الدور المركزي» للدولة. كان ذلك في سياق أزمة 1929 وحيث كان «الليبراليون الجدد» قد فقدوا ثقتهم بقدرة السوق على أن يقوم «عفويا» بعملية ضبط ذاتي لنشاطاته.
بهذا المعنى يرى المؤلفان أن الليبرالية الجديدة كانت تمثل نوعا من نزعة التدخل «ذات الخصوصية». وتتمثل تلك الخصوصية بـ «إعادة تأسيس الليبرالية ضد إيديولوجية رفض كل القواعد». لكن في الوقت الذي قبل فيه الليبراليون الجدد مبدأ «تدخل الدولة» فإنهم عارضوا كل ما يمكن أن يعيق المنافسة بين المصالح الخاصة». أي تمّ القول بقبول تدخل السلطات العامة إلى جانب مفهوم للسوق يتركّز حول المنافسة.
ويدعم المؤلفان فكرة أن الليبرالية الجديدة تشكل الإطار الذي انتعش داخله النموذج ـ الموديل- الاقتصادي الانكلوسكسوني الأميركي والموديل الاقتصادي الأوروبي، مع بعض التباينات. ويتم التأكيد في هذا السياق أن الاتحاد الأوروبي، هو في عمقه، ذو توجه ليبرالي جديد. ذلك منذ معاهدة روما عام 1957 حتى الاتفاقية الدستورية الأوروبية «المبسّطة» التي عرفتها لشبونة عام 2008 حيث كان «منطق المنافسة» هو السائد دائما. وبهذا المعنى أصبحت الليبرالية الجديدة هي «عقل العالم».
نقرأ: «لقد كمنت الإستراتيجية الليبرالية، ولا تزال تكمن، في التوجيه المنهجي لسلوك الأفراد كما لو أنهم كانوا دائما وفي كل مكان داخلين في علاقات تبادل تجاري ومنافسة في السوق».
وهذا ما نتج عنه زيادة في «البيرقراطية» على صعيد الحياة العامة وفي جميع المهن «من الباحث حتى رجال الشرطة ومرورا بالممرضات وسعادة البريد». ومن السمات التي يؤكد عليها المؤلفان في الليبرالية الجديدة هو أنها سم بـ «قدر كبير من اللامساواة».
هذا إلى جانب التباين بين الأفكار التي طرحها بعض «ملهمي» الليبرالية الجديدة وبين الواقع الذي فرض نفسه. هذا وفي الوقت الذي أكّد فيه أولئك «الملهمون» ضرورة فرض ضرائب على أصحاب الدخل المرتفع، فإن الواقع يجعلهم في رأس قائمة المستفيدين من «الاعفاء» من الضرائب.
الكتاب: عقل العالم الجديد
تأليف: بيير داردو، كريستيان لافال
الناشر: لا ديكوفيرت- باريس- 2009
الصفحات: 497 صفحة
القطع: المتوسط
La nouvelle raison du monde
Pierre Dardot, Chrisitian Laval
La Découverte - Paris 2009

