في عام 2001 صدر عن دار نشر «فايار» الفرنسية كتاب للباحثتين الفرنسيتين «آن رامباش ومارين رامباش» تحت عنوان «المثقفون الهشون». واليوم تعود الباحثتان إلى نشر كتاب جديد تحت نفس العنوان ولكن بإضافة صفة «الجدد» الصادر عن دار نشر ستوك.
«المثقفون الهشون الجدد» يضمون أولئك الصحافيين الذين يتقاضون أجرهم «على القطعة» وأولئك المتعاقدين لفترة أشهر قليلة فقط والباحثين «المستقلين» الذين لا يرتبطون بأية هيئة، والأساتذة الذين يقومون بتدريس بعض الساعات بدلا من الأساتذة الأصليين المتغيّبين لسبب ما وكل ما يرتبط عملهم بمفهوم «الهشاشة».
هذه الفئة من «العاملين» تصعب على كل تصنيف. لكن يجمع بين الذين تضمّهم سمة واحدة هي أنهم يتقاضون أجورا قليلة. هذا ما أكدته المؤلفتان في كتابهما الأول قبل سنوات وما تؤكدانه مرة أخرى في عملهما الجديد. لكنهما تدرسان بنفس الوقت ظاهرة «الهشاشة» نفسها في قطاعات الصحافة والنشر والبحث والتربية والثقافة في فرنسا، وكل المعنيين ينضوون تحت فئة «المثقفين الهشّين».
وتطلق المؤلفتان على المعنيين صفة «المثقفين» على اعتبار أن أغلبيتهم هم من حملة الشهادات العليا، بل ومن المبدعين في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع واقع أنهم يعيشون في ظروف صعبة، وفي ظل غياب أي أفق مفتوح أمامهم ودخلهم المادي يتأرجح في أغلب الأحيان بين القليل و«غير الموجود» ولا يتمتعون عمليا سوى بقليل من الحقوق التي يمنحها العمل في بلد مثل فرنسا.
لكن رغم وجود الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي أو «غيابه الكامل» فإنهم يمارسون مهنا كانوا قد اختاروها بكثير من الحماس و«الهوى». لكنهم بدون «عطل مدفوعة الأجر» وبدون «إجازات مرضية» وبدون أية تعويضات.
وما تؤكد عليه المؤلفتان هو أن الشركات والمؤسسات يروق لها التعامل مع هذه الفئة من «العاملين» الذين يؤمنون قدرا كبيرا من «المرونة» ومن «الكلفة القليلة». وبهذا المعنى لا يزال للهشاشة «مستقبل» واعد أمامها وليست مرشحة للزوال. كما تنبأ العديد من المهتمين بالاقتصاد الاجتماعي.
وتشرح المؤلفتان في هذا السياق أن «المثقف الهش» يمثل «النموذج السري» لأرباب العمل. هذا مع فارق كبير هو أن هؤلاء لا يعانون من الهشاشة ولكنهم «مستقلّون». ولا يخضعون لأحد، لكنهم «محترفون». ولا يحصلون على مرتبات وأجور صغيرة، فهم «يتمتعون بقدرة عالية على المنافسة، وحتى عندما يكون «رب العمل» قريبا من معسكر اليسار سياسيا، فإنه يبقى «ليبراليا» بكل ما تعني هذه الكلمة.
وتطرح المؤلفتان في هذا السياق السؤال التالي: إلى أين يمكن أن تصل درجة خضوع هؤلاء المثقفين الهشّين؟ تتم الإشارة هنا إلى أنه لا يتمتعون بدعم أية نقابة لهم. وسؤال آخر: هل سيستمع لهم أحد ذات يوم؟ هنا يتم التأكيد أن هؤلاء المثقفين الهشين يتواجدون في قلب سياسات إصلاح ميادين البحث وإصلاح الجامعات والقطاع السمعي-البصري والصحافة المكتوبة.
ويشكّل المعنيون «فئة اجتماعية»، رغم أنه لا أحد يعترف فيهم كفئة. والكل يعرف أنهم موجودون وأنهم يعملون في ظروف صعبة ويكسبون القليل على عملهم، وعلى الأقل أدنى بكثير مما يُفترض أن يؤمّن لهم تأهيلهم العلمي. وهذا بالتحديد هو الذي يدفع قطاعات كبرى إلى البحث عنهم و«تشغيلهم» وهو يقومون بـ «عمل ممتاز» بحيث أنه من الصعب «الاستعاضة عنهم».
وتصف المؤلفتان مهنة «المثقفين الهشين» أنها تضم مجموعة من العاملين في حقل «الفكر» بالمعنى الواسع للكلمة حيث يوحّد بينها نوعا من «القدر المشترك» دون أن يهتم فيها أحد، لا النقابات ولا أحزاب اليسار، وبنفس الوقت ليس بين أعضاء هذه المجموعة أي «روابط» خاصة للدفاع عن مصالحها.
وما يتم التأكيد عليه في التحليلات المقدمة هو أن «المثقف الهش يشكل «ضحية للبرالية». ولكنه بنفس الوقت البرهان على قدرة الفرد على البقاء في مواجهة بربريتها. نقرأ: «يراهم- أي المثقفين الهشين- محللو اليسار ليبراليين متطرفين بحكم أنهم يدخلون في منافسة شرسة في وسط عمل يفتقد إلى القواعد، ويراهم محللو اليمين هامشيين متطرفين بسبب معارضتهم لثقافة المؤسسة الليبرالية ذاتها».
ومن المعلومات التي تقدمها المؤلفتان تأكيدهما أن 50 بالمائة ممن يتقاضون مساعدة الحد الأدنى من الدولة ـ الحد الأدنى للدخل من أجل الاندماج الاجتماعي- هم ممن يمارسون نشاطات فنية أو فكرية بباريس. ومع ذلك كله تبقى «التضحية بكل شيء أو بالكثير على الأقل للمهنة التي يحبونها، هي خيار الكثير من المثقفين الهشّين». وبهذا المعنى تغدو «الحرية المفروضة» بالنسبة إليهم هي «حرية مختارة».
وهناك نسبة كبيرة من «المثقفين الهشّين» يمارسون مهنا أخرى غير تلك التي «يحبونها» من أجل تأمين نفقاتهم الأساسية المطلوبة. وتؤكد المؤلفتان أنها ليست قليلة الحالات التي يعمل بعضهم فيها كـ «عبد أدبي»، بمعنى أن «يكتب» لحساب آخرين، وحتى «روايات».
والمطلوب منهم دائما هو أن يعملوا بـ «سرعة» و«بشكل جيّد». تجدر الإشارة أيضا الى أن هذا الكتاب يمثل، في أحد وجوهه، دراسة عن تطور مهنة الصحافة والإعلام في فرنسا وتبيّن المؤلفتان مدى تأثير الأزمات الاقتصادية على عمل «المثقفين الهشين». وتنتهيان إلى القول ان «رب العمل الأكثر قسوة حيال هؤلاء المثقفين هو الدولة».
الكتاب: المثقفون الهشّون الجدد
تأليف: آن رامباش، مارينرامباش
الناشر: ستوك ـ باريس 2009
الصفحات: 450 صفحة
القطع: المتوسط
Les nouveaux intellos précaires
Anne Rambach, Marine Rambach
Stock - Paris - 2009
450 p.
