ليس من قبيل الصدفة أن الكاتبة الكندية أليس مونرو حرصت على التأكيد في أكثر من مقابلة أجريت معها على أن عملية الكتابة لم تصبح أيسر بحال بالنسبة لها مع إيغالها في مسيرة العمر التي تلامس الآن عامها الثمانين، وهي لا تتردد في هذا الصدد في القول: «إن الكتابة تبدو على الدوام كما لو كانت معجزة أشعر بالامتنان حيالها، إذا لاح أنها تعطي ثمارها». وتوقف الكثيرون عند قولها إنها تستمر في الإبداع لأنها ليست جيدة في عدم الكتابة، حسب تعبيرها حرفياً.

ومجموعتها الجديدة «سعادة أكثر مما ينبغي»، التي تعد الكتاب الخامس عشر الذي تصدره، والتي تضم عشر قصص جديدة، تشكل الساحة الأمثل لتأمل المعاني التي يطرحها حديث مونرو عن الإبداع والاستمرار فيه والسحر الذي يكتنف معجزة الاستمرار هذه.في القصة الأولى من المجموعة، يجد القارئ نفسه على موعد مع زوجة شابة وأم تعاني من الألم الذي لا يطاق النابع من فقدانها لأطفالها الثلاثة، وهي في النهاية تجد الخلاص قادماً من المصدر الأكثر إثارة للدهشة والاستغراب.وفي قصة أخرى، من قصص المجموعة العشر، نحن على موعد مع شابة في أعقاب تعرضها للغواية على نحو غير مألوف ومفعم بالإذلالية، وهي تبدي رد فعل يوحي بالبراعة والمهارة، لكنه في الوقت نفسه لا يثير الإعجاب.

وتكشف قصص أخرى في المجوعة عن «ثقوب عميقة» في الزواج وعن قسوة لا يتصورها المرء من جانب أطفال وكيف أن المحيا المشوه لفتى يقدم جوانب طيبة وجوانب سيئة أيضاً في حياته.

أما في القصة الطويلة التي منحت المجموعة عنوانها فإن القارئ يمضي بصحبة صوفيا كوفالسكي، العالمة الرياضية الروسية المهاجرة التي تنتمي إلى أواخر القرن السادس عشر في رحلة شتائية من الريفيرا حيث التقت بحبيبها إلى باريس فألمانيا ومن ثم الدانمرك حيث تشهد لقاء عاصفاً لها مع طبيب محلي وأخيراً إلى السويد حيث تقوم بالتدريس في الجامعة الوحيدة في أوروبا التي تقبل توظيف عالمة متخصصة في الرياضيات.

ومن جديد تعود مونرو لتقدم بوضوح وفي يسر أحداثاً معقدة وصعبة ومشاعر جارفة في قصص تلقي الضوء على الطرق التي لا سبيل إلى التنبؤ بها والتي يتعايش من خلالها الرجال والنساء مع ما يحدث في حياتهم ويتجاوزونه.

وفي هذه المجموعة تبرز أليس مونرو من جديد كاتبة قديرة ومدهشة للقصة القصيرة، حيث تمتلك ناصية هذا الفن باقتدار هائل يجعلها ضمن عدد محدود للغاية من الكتّاب على امتداد العالم يشكلون النخبة الأرقى في كتابة القصة القصيرة، وهي نخبة تضم عمالقة معدودين، من أمثال الكاتب الأيرلندي وليام تريفور، الذي أوضحت مونرو مدى تأثرها بكتاباته.

أيا كان الأمر، فإننا في هذه المجموعة نجد أنفسنا حيال عدد من القصص القصيرة التقليدية التي تجري أحداثها في «بلاد أليس مونرو» أي في أونتاريو وبريتش كولومبيا، حيث تتناول حياة نساء عاديات يحاولن التأقلم مع ما يجري في حايتهن.

وبالمقابل فإن المجموعة تضم أيضاً قصصاً أخرى ذات حافة جديدة أكثر حدة، وتشمل أحداثاً مروعة، بما في ذلك مقتل أطفال وممارسات جنسية غريبة واقتحام مخيف للدار.

وإذا كان هناك حكم يمكن أن نطلقه على هذه المجموعة ونحن على تمام الثقة من أن الصواب لن يجافيه، فإن هذا الحكم مقتضاه أن مونرو ستظل دائماً قادرة على إدهاشنا بما تقدمه لنا من جديد قصصها.

وربما لهذا على وجه الدقة فإنه ليس من المدهش أن تثير مجموعة مونرو الجديدة أصداء نقدية مدوية على امتداد العالم.

دعنا أولاً نتوقف عند ما يقوله بيتر كيمب في صحيفة «صنداي تايمز» اللندنية عن هذه المجموعة، حيث يقول: «هذا الكتاب يمكن أن يجعل جلدك يقشعر بكشوفاته عن الطابع المتحول والمتقلقل للوجود اليومي المريح.. إنه رائعة من حيث الحبكة، كتبت بيد قديرة وأفعمت بالشخصيات القابلة للتصديق إلى أبعد الحدود وبالتفاصيل الاجتماعية الثرية، وهذه الرسائل الآتية من أغوار خيال مونرو تؤكد مكانتها التي انتزعتها في قمة عالم القص المعاصر.

وتقول لورنا برادبورى في صحيفة «تلغراف» عن مونرو: «إنها تحظى بأكثر اللمسات خفة ورقة، حيث تبدو كل كلمة ضرورية تماماً».

ويشير توم جاتي في صحيفة «تايمز» إلى أن: «أحدث مجموعات أليس مونرو القصصية تؤكد مجدداً قدرتها ككاتبة تتمتع ببصيرة نافذة.. وهي تقدم لنا بعضاً من أكثر القص في زمننا نزاهة ودقة».

ويرى كريستوفر تيلور عبر صفحات «غارديان» أن مونرو: «إحدى أعظم كاتبات القص باللغة الإنجليزية.. ونثرها متألق ودقيق وبعيد عن التقليدية، وهي تعطي الانطباع بأنها قادرة على جعل هذا القالب الفني ينجز أي شيء تريده».

وتكتب جين شيلنج في صحيفة «تلغراف» أيضاً: «مونرو تكتب بوضوح جميل ودقيق رؤية إنسانية ورائعة وطريفة لما يدور في حياتنا».

وفي مقال لصحيفة «صنداي هيرالد» تعرب روزماري جورينج عن اعتقادها بأن: «هناك نوعية رفيعة من الإبداع في قصص مونرو تجعلك تشعر بأنك قد تعثرت في عالم بأسره، ولكن لم تقدم لك إلا إطلالة سريعة على حياة الأبطال، التي سوف تواصل مسيرتها عندما تكون عينك قد تجاوزتها. إنه عمل حاد، بارع الصياغة».

ونرى كلير هارمان في «إيفنينج ستاندرد» أن: «أليس مونرو أنجزت ما يزيد على أي شخص آخر في رفع مكانة القصة القصيرة عالياً. حقاً من الذي يمكنه إنجاز ما هو أفضل من ذلك؟».

وتقول ماري كروكيت في مقال نشرته صحيفة «سكوتسمان» أخيراً إن: «الأسلوب هادئ ومقصود ومتدفق غير أنه مكبوح الجماح، وهو حاد لكنه مفعم بالعاطفة، وهو الذي يجعل رؤيتها للوضع الإنساني بالغة العمق».

وتظل هذه المجموعة الجديدة لأليس مونرو عملاً رائعاً ومتميزاً حقاً، ويذكرنا ـ مجدداً ـ بالحقيقة المؤلمة، وهي أنه حتى الآن لم يتم تقديم الكاتبة الكندية بالشكل الذي تستحقه إلى القارئ العربي، ولم يترجم كتاب واحد من كتبها الخمسة عشرة إلى اللغة العربية، وهي في ذلك لا تختلف عن غيرها من العمالقة العالميين في فن القصة القصيرة ومنهم وليام تريفور، وربما كان هذا يعكس إهمالاً جسيماً للقصة القصيرة على امتداد العالم العربي لا سبيل إلى نفيه أو إنكاره.

الكتاب: سعادة أكثر مما ينبغي

تأليف: أليس مونرو

الناشر: نوف، نيويورك، 2009

الصفحات: 320 صفحة

القطع: المتوسط

Too Much Happiness

Alice Munro

Knopf, N.Y., 2009

320 P.