في تعريفه للمثقف يرى د. عبدالسلام حيمر أنَّ هذا اللفظ لم يوجد في منظومات التسميات الشائعة التي يميز بدلالتها الناس فضاءهم الاجتماعي بمواقعه ومراتبه ومستوياته كلها، لا في الحضارات الشرقية القديمة، ولا في الحضارة الإغريقية، ولا في الحضارة العربية الكلاسيكية، ولا في أوروبا القرون الوسطى. على أن مختلف المصادر تدل على أنه إذا كان لفظ مثقف قد وجد فمنذ القرن الثامن عشر في اللغة الانجليزية.
ولم يكن رائجاً ولا شائعاً في التداول قبل ذلك مع إنه كان قد ظهر في اللغة الفرنسية منذ بداية النصف الثاني من القرن الثالث عشر في صيغة نعت وصفة ومحمول، قبل أن يصبح في القرن التاسع عشر يدل على موضوع قائم بذاته، الأمر الذي يعني أن هذا اللفظ لا يجر وراءه تاريخاً طويلاً، يغني مفهومه بتجارب وخبرات بشرية، وبمدلولات متعددة ومتنوعة.ان المثقف هو وظيفة ثقافية، هكذا يتبنى عبدالسلام حيمر رأي «أنطونيو غرامشي» المفكر اليساري الإيطالي، وظيفة ثقافية، علاقة اجتماعية، جماعة اجتماعية عضوية، ترتبط في ظهورها واختفائها من مسرح التاريخ البشري بظهور واختفاء فئات اجتماعية ذات مواقع أساسية في بنية الإنتاج المادي المحدد تاريخياً.
فالإنسان جزء من الكون الطبيعي ونتاج له، غير أنه يتميز عن الكائنات الطبيعية كافة بالوعي والإرادة، والقدرة على الفعل الهادف الذي به يؤثر في كونه الطبيعي، فينتقل هذا الكون تدريجياً من مجرد كون موضوعي إلى كون ذاتي أيضاً، من مجرد كون يوجد لذاته إلى كون يوجد للإنسان وبدلالة الإنسان وغاياته ومقاصده، من مجرد كون فيزيقي طبيعي، غفل من المعنى، إلى كون ثقافي حضاري يضج بالمعاني والدلالات.
ومن ثم فإن المعطى الأول الذي يفترضه التحليل العلمي للمجتمع وتاريخه لدى غرامشي ليس هو المعطى الاقتصادي، بل هو الإنسان بوصفه كائناً ثقافياً، وفاعلاً اجتماعياً، يكتسب وجوده الإنساني فعلاً من اجتماعه بالآخرين في إطار علاقات منتجة للثقافة والحضارة، وفي إطار هذه العلاقات التفاعلية يخلق الإنسان ذاته بوصفه إنساناً، أي بوصفه فاعلاً اجتماعياً، ثقافياً، كما يخلق مجتمعه ويصنع تاريخه.
ويصبح تغيير بنيات ذلك المجتمع وذلك التاريخ أو المحافظة عليها رهاناً أساسياً لتعاون البشر وصراعهم. وبهذا المنظور لا تكون الثقافة على الرغم من كونها انعكاساً في أذهان الناس لمجريات الواقع، مجرد عنصر من عناصر الواقع، بل إنها تشكيل إنساني للواقع وصنع له، ومن دون الثقافة لا يكون الواقع إلا مجرد مادة خام، مادة سديمية خالية من أي شكل، وفارغة من أي قيمة ومعنى.
أما من حيث (الموقع) فإن المثقفين شريحة اجتماعية، تنتمي عضوياً إلى طبقة اجتماعية انتماء الجزء إلى الكل، فهي لا توجد إلا في علاقة عضوية بالطبقة التي خلقتها معها فور ظهورها في الفضاء الاجتماعي، وبالتالي فإن موقع المثقفين في الفضاء الاجتماعي هو نفسه موقع الطبقة التي ينتمون إليها عضوياً.
وإذا كانت الطبقة مالكة لوسائل الإنتاج والتوزيع، وسائدة سياسياً واجتماعياً، فإن المثقفين المرتبطين بها عضوياً لا يمكن إلا أن يحتلوا الموقع ذاته للطبقة السائدة، ويميلون إلى بسط سيادتهم في المجال الثقافي، على كل الشرائح المثقفة للطبقات الاجتماعية المسودة، مشكلين بذلك امتداداً لسيادة طبقتهم في المجال الثقافي.
ثم يرى عبدالسلام حيمر أن الدولة لا يجب أن تحكم بواسطة العنف البوليسي أو العسكري، ولا بواسطة السجون والمنافي والاغتيالات والتصفيات الجسدية، ولا بواسطة الإكراهات والضغوط الإدارية، ما أكثرها.
بل إنها يفترض أن تحكم أساساً بواسطة نفوذها الثقافي والقيمي، ذلك النفوذ الذي يضمنه لها المثقفون العضويون بواسطة استخدامهم الفاعل للمدرسة والمؤسسات الدينية ووسائل الإعلام والنشر، أي لمؤسسات المجتمع المدني، قصد إقناع الناس وتنشئتهم وتكييفهم وفق تصورها للعالم.
وكلما كان هؤلاء المثقفون ناجحين في إنجاز وظائفهم الإيديولوجية في المجتمع المدني، كانت جماهير المستغلين من عمال وغيرهم، مقتنعة اقتناعاً ببداهة النظام- هنا الرأسمال وشرعيته وتطابقه مع قواعد العقل، وقوانين الطبيعة، ونواميس الله من جهة، وبانسجام مصالحها وقيمها مع مصالح وقيم البرجوازية من جهة أخرى.
وفي كل الأحوال يتمدد المثقف بوعيه النقدي، ووظيفته النقدية التي تتطلب منه أن يساعد المجتمع على الوعي بذاته، وعلى خلق رأي عام داخله، قادر على مراقبة حكامه وسلط مؤسساته وتغييرها وتعديلها. ووسيلة المثقف في ذلك وعدَّتُه: الخطاب مكتوباً كان أم شفوياً وأن ينشره بمختلف وسائط الإعلام والتواصل.
وأن يكون شجاعاً قادراً في الآن نفسه على النظر بصرامة إلى قضايا مجتمعه، من خلال المناهج النقدية العقلانية ذاتها التي يستعملها في مجالات تخصصه، صرامة «تحول دون تراجع النقد أمام النتائج التي يقود إليها نفسه، ولا أمام الصراع مع السلطة أيَّاً كانت، وعلى أن يستثمر نفوذه وشهرته وسلطته الثقافية، الفنية أو الفكرية أو العلمية في إنتاج خطابات واتخاذ مواقف من القضايا العمومية التي تطرح في الساحة العمومية، ساحة الحياة.
الكتاب: في سوسيولوجيا الثقافة والمثقفين
تأليف: د. عبدالسلام حيمر
الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت 2009
الصفحات: 303 صفحات
القطع: الكبير
أنور محمد

