يرى يوسف الشريف في مادة كتابه «اليمن وأهل اليمن.. أربعون وألف حكاية» أنه رغم الكم المشهود من الكتب والمقالات والدراسات أو الندوات التي تناولت بالرصد والتقييم سيرة الثورة التي اندلعت في شمال اليمن يوم 26 سبتمبر عام 1962، ثم تداعت لها الثورة في الشطر الجنوبي من اليمن يوم 14 أكتوبر عام 1963، ظل العطاء المصري وسط هذا الزخم الثقافي والتاريخي قاصراً معيباً، رغم أن الدور المصري على الصعيد السياسي والعسكري أو الحضاري كان العامل الحاسم في دعم الثورتين، والتمكين لهما من إسدال الستار إلى الأبد على أسطورة الحكم الكهنوتي في صنعاء الذي امتد زهاء 300 عام، ونهاية الاستعمار البريطاني الذي احتل عدن عام 1839.
على أنه، وعلى غير المتوقع في ضوء حسابات المكاسب والخسارة للدور المصري في اليمن، عندما تراخى المصريون حكومات وشعباً في جني الثمرات، لا على النمط الاستعماري، وإنما على النحو الذي يعزز من تمتين اللحمة السياسية والشعبية، وتكامل المصالح المشتركة، والتنسيق في إطار منظومة الأمن القومي العربي، بالنظر لموقع البلدين الحاكم لمدخلي البحر الأحمر الشمالي والجنوبي.المبادرة الوحيدة على هذا الصعيد، حين كان على مصر إغلاق باب المندب في وجه الملاحة الإسرائيلية إبان حرب أكتوبر 1973، من دون إذن أو تشاور مع السلطات اليمنية لدواعي المفاجأة الاستراتيجية، ولم يكن ليتحقق ذلك فيما لو كانت الإمامة المتوكلية على سدة الحكم في صنعاء، وبريطانيا متمرسة في قاعدتها العسكرية في عدن!
وبينما ظل الجيل اليمني الذي عاصر وقائع الدعم المصري يتغنى في المناسبات الوطنية وعلى لسان نخبته السياسية والثقافية والإعلامية بذلك الدور القومي الجسور، وبدونه كان على الثورة السبتمبرية أن تتجرع مرارات الفشل المحتوم الذي واجهته الثورة الأم بزعامة حركة الأحرار عام 1948، وإلى حد انتهاز الشعب اليمني مناسبتي أعياد الفطر والأضحى للاعتراف بالفضل وتأكيد الاعتزاز بهذا الدور، عبر التوجه مبكراً لزيارة مثوى الشهداء المصريين وقراءة الفاتحة على أرواحهم الطاهرة قبل زيارة قبور الشهداء اليمنيين، وبعدها تتوجه العائلات اليمنية لزيارة النصب التذكاري للشهداء المصريين على مشارف صنعاء!
ويذكر الشريف أنه في المقابل كانت هجمة كتاب الردة في مصر إثر رحيل الرئيس جمال عبد الناصر عبر التنديد المسعور بالدور المصري في اليمن، لكونه سبب خراب مصر اقتصادياً ونكستها عسكرياً في يونيو 1967 على حد زعمهم، وإلى حد اغتيال شخصية وسمعة جمال عبد الناصر ضمنياً، عبر التكفير بكل ما تبناه ودعا له من مبادئ التضامن القومي، وسعيه إلى دعم حركات التحرر العربي، ولم تكن رموز الثورة المضادة تمارس نشاطها السياسي والفكري والدعائي المشبوه بإمكاناتها الذاتية.
ولكنها وجدت السند والدعم من الرجعية العربية وخزائنها، ومن أعداء حركة التحرر العربي بدون حساب، وعلينا أن نعترف بصدق وموضوعية أن دعاة الردة خاب فألهم وفشل مخططهم المشبوه الرامي إلى تشويه الدور المصري في اليمن أو تقزيمه، لأن الذاكرة التاريخية راحت تفضح كل ما روجوه من افتراءات وأكاذيب عبر الندوات الحوارية والبحثية التي تجمع بين النخب الثقافية والسياسية في مصر واليمن تحت شعار تمتين وترشيد ودعم العلاقات بين البلدين، وشهادات الشهود الراحلين والأحياء على ملحمة النضال اليمنى المصري المشترك.
وقال يوسف الشريف:أشهد أن الجانب اليمنى كان له دوماً فضل السبق والمبادرة على هذا الصعيد، ولعل كم وكيف ما تناوله العديد من المرجعيات السياسية والباحثين اليمنيين من الرؤى والاجتهادات بسبر أغوار العلاقات المشتركة وتأصيلها يجل عن الوصف والحصر، فيما كان للرئيس على عبد الله صالح إسهاماته الكبيرة في التنويه بهذه العلاقات، والتنوير بضرورات تفعيلها، إضافة إلى مبادرته الرائعة لتكريم القيادات العسكرية والمدنية المصرية التي شاركت في دعم الثورة اليمنية عسكرياً وسياسياً أو حضارياً.
المؤلف في سطور
يوسف الشريف إعلامي مصري تخرج في كلية الحقوق، واستهوته الصحافة، فبدأ في دار روزاليوسف، مع السيدة فاطمة اليوسف وإحسان عبد القدوس وتخصص في شئون اليمن والسودان والقرن الأفريقي، حصل على وسام العلوم والفنون من مصر، والنوط الفضي ووسامي الثورة والوحدة من اليمن، أهم مؤلفاته: «السودان وأهل السودان ـ أسرار وخفايا المجتمع»، «كامل الشناوي آخر ظرفاء ذلك الزمان»، و«صعاليك الزمن الجميل» و«مما جرى في بر مصر»، ثم أخيراً كتابه عن زكريا الحجاوي «موال الشجن في عشق الوطن» الذي سيصدر قريبا.
الكتاب: اليمن وأهل اليمن
تأليف: يوسف الشريف
الناشر: دار الشروق القاهرة 2009
الصفحات: 240 صفحة
القطع: الكبير
محمد الحمامصي

