منذ صرخته الأولى جاء المخرج السينمائي بهمن قبادي جدليا في الجغرافيا والتاريخ والزمان، هو من مواليد عام 1968 في قرية لا هي عراقية ولا هي إيرانية تشطرها الحدود التي لا يعترف أهلها بها.

في قرية بانه في كردستان أيقن بهمن أن التراث والثقافة الكرديين وأين ما حلا يتجولان بعباءة عربية زينت بنقوش فارسية، وعرف أيضا معنى الشظف في يوميات الاكراد. غادر الفتى بهمن قريته عام 1983 بعد اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية التي دفع الاكراد ثمنها باهظا، غاردها إلى مدينته الثانية سنندج، هناك تعرف على ثالوث الاكراد المقدس الجبل ـ اللغة ـ الوطن الضائع بين الحدود. في سنندج صعد بهمن أكتاف الجبال وسبح في مياه أنهارها البادرة، افترش العشب، ركب ظهور البغال المدربة على التهريب، لم يكن يعرف وهو يختار طريق العاصمة أن له ذاكرة نضرة ستكون يوما نموذجا مصغرا عن تاريخ الاكراد وبحثهم المضني عن الانا الكردية المفقودة..في طهران شرع بهمن الخجول بدراسة الاخراج السينمائي واجتهد كثيرا فنجح بأن يكون أحد مساعدي المخرج الكبير عباس كيا رستمي، مع رستمي اقترب قبادي أكثر من عالم الاحتراف والابداع، وتعامل بشكل يومي مع نجوم الشاشة الكبيرة.

ومع رستمي جاءته الفرصة الذهبية أيضا عندما طرح عليه فكرة تصوير فيلم (ستحملنا الريح) في إحدى قرى كردستان، وهو فيلم تدور أحداثه حول قرية غامضة. في كردستان أثبت قبادي أنه ليس مساعد مخرج فحسب بل هو جغرافي ماهر، وعارف بخبايا هذه المنطقة المنسية من العالم. بعد ذلك نجح قبادي أيضا في جر المخرج محسن مخملباف للتصوير في كردستان، كذلك فعلت إبنته المبدعة المخرجة سميرة مخملباف عندما اختارت كردستان لتصوير فيلمها السبورة.

هذه البقعة من شمال العراق وجنوب شرق إيران شكلت هاجس قبادي الأول، حتى فيلمه الأول الذي حمل عنوان (عيش في الضباب 1995) والذي جاء على شكل سيرة ذاتية دارت أحداثه على أرض كردستان، حصل الفيلم على جوائز كثيرة في الداخل والخارج وضمته وزارة الثقافة الإيرانية إلى قائمة أهم الافلام الوثائقية في تاريخ إيران، يومها علق أستاذ قبادي الأول عباس كيا رستمي بعد أن شاهد الفيلم أنه شعر بشيء غريب قادم، لكن بهمن الشاب الكردي الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره كان في بداية الطريق ولديه الكثير لتدريب أستاذه وإيران والعالم على ألفة مبادئ الدهشة والمفاجئة..

بين عامي 1995 و1999 أخرج قبادي أكثر من عشرة أعمال وثائقية منها القصير ومنها المتوسط، نالت أعماله جوائز عدة وحجزت له معقدا بين الكبار، لكن عام ألفين كان مختلفا ومغايرا، لم يفاجئ قبادي المخرجين الإيرانيين والعالميين والجمهور فحسب، بل فاجأ الاكراد أنفسهم بقدرته على نبش تفاصيل حياتهم المنسية ونقلها إلى الشاشة الكبيرة..... «موسم لسكرة الخيول» هو الفيلم الطويل الأول للمخرج، فيه سجل قبادي يوميات الاكراد المرة وصراعهم من أجل البقاء.

تدور قصة الفيلم حول المهنة التقليدية للاكراد المتمثلة بتهريب البضائع بين العراق وإيران على ظهور البغال والحمير المضطرة لقطع مئات الكيلو مترات في ظروف بيئة أقل ما يقال عنها إنها الجحيم بعينه.

ويعرض الفيلم كيف يجبر المهربون الصغار البغال على شرب كميات كبيرة من الفودكا المسكرة كي تكون قادرة على تحمل البرد القارس وتعب الطريق، هكذا قدم قبادي كردستان للعالم كما هي بلا إضافات من خلال مجموعة من الممثلين الهواة الصغار من أبناء المنطقة نفسها، وهذا يفسر حجم السيطرة الهائلة التي تمتع بطل الفيلم الشاب الصغير «أيوب» وهو يسرد حياته اليومية أمام عدسة كاميرا قبادي.

موسم لسكرة الخيول كان البوابة التي عبر منها قبادي وعلى كتفيه كردستان إلى العالمية، حصل الفيلم على جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي، ونال أيضا الجائزة الخاصة بمهرجان شيكاغو، وشكل كذلك علامة فارقة كونه الأول الذي اعتمد الكردية لغة أساس لأحداثه وشخصياته.

بعد عامين وفي فيلمه الطويل الثاني (أنغام أرضي الأم) نقر قبادي وترا إنسانيا جديدا على آلته السحرية ذاتها، كردستان. مرة أخرى يعود المخرج إلى حفرياته في يوميات الاكراد، العودة إلى الجذور كانت قصته الجديدة، ومرة اخرى تكون الحدود عائقا أساسا ما دفع قبادي إلى تصوير 60 بالمئة من الفيلم في كردستان إيران تحت العنوان السابق و40 بالمئة في شقها العراقي بعنوان (تقطعت في العراق).

أحداث الفيلم تدور حول عائلة كردية بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية ورحلة العودة من كردستان الفارسية إلى شقيقتها العربية وبالعكس.

ويعرض الفيلم كيف فرضت قوة الجغرافيا ومنطق الحدود على الاكراد احتضان هذه الحرب لمدة ثماني سنوات متواصلة. ينتهي الفيلم بجملة على لسان امرأة تخلص فكرة الاكراد عن الارض «جئت مع الجبال ولن أرحل بدونها» هذه هي أرض قبادي التي لا تموت.. (أنغام أرضي الأم) حصد جائزة اللوح الذهبي في مهرجان شيكاغو 2002 وجائزة fraucois chalais في مهرجان كان وجائزة أفضل فيلم في سرونيو بايطاليا وجائزة التحكيم في مهرجان ساوباولو البرازيلي.

بعد هذا الفيلم وهذه الجوائز غاب قبادي لفترة ظن فيها البعض أن نجمه بدأ بالأفول، بيد أن الحقيقة كانت غير ذلك، فبعد فترة من الكهانة المعرفية والتحضير ظهر قبادي مرة أخرى وكان ظهوره مدويا عبر فيلمه الثالث (بامكان السلاحف أن تطير). بدون تردد اجمع النقاد أن الفيلم هو معجزة قبادي السينمائية وتحفته الفريدة، فبضربة واحدة نال الفيلم الجائزة الأولى لمهرجان سان سبيستيان في اسبانيا 2004 .

وفي العام نفسه رشحته إيران لنيل جائزة مهرجان الاوسكار، وبسهولة جذب إلبه جائزة الدب الكريستالي في مهرجان برلين الدولي للأفلام الروائية. (بامكان السلاحف أن تطير) عاد ليكمل مهمة المخرج في تعريف العالم بطريق الجلجلة الذي يقطعه الاكراد كل يوم دون ضجيج.

وتدور أحداث الفيلم في الفترة بعد دخول القوات الأميركية إلى العراق وإسقاطها نظام صدام حسين. يبدأ الفيلم بمشهد سريالي لفتاة صغيرة تقف على حافة جبل تحاول امتلاك جرأة اتخاذ قرار الانتحار، وقبل أن يفهم المشاهد تفاصيل المشهد تنتقل كاميرا قبادي إلى حيز الواقع. قرية كردية على الحدود الشمالية العراقية تعيش فيها عائلات فقيرة وثلة من الأطفال المشردين يعملون في جمع الألغام من الحقول لبيعها إلى منظمات دولية لمكافحة الألغام!!..

من بين الأطفال يبرز الفتى الملقب بالسيد (ستلايت) وهو سيد الأطفال وزعيمهم، يعرف بعض الكلمات الإنجليزية ، ولديه خبرة بسيطة في تركيب الصحون اللاقطة وبرمجة القنوات التلفزيونية ، كما أنه أكثر الأطفال جرأة على دخول أخطر حقول الألغام لفك الكبيرة منها. قيمة الفتى (ستلايت) تتضاعف وتزداد بين وجهاء القرية قبل اندلاع الحرب الأميركية على العراق، لأنه الوحيد الذي يستطيع شراء الصحون الفضائية وتركيبها كي يتابع الناس أخبار الحرب.

مع مرور الوقت نكتشف أن الفتاة التي بدأ بها الفيلم ليست من تلك المنطقة بل نازحة إليها مع أخيها مبتور اليدين وأن الطفل بين زراعيها هو ابنها غير الشرعي وليس أخاها؟!

الفتاة كرين من سكان (حلبجة) المدينة التي تعرضت للإبادة، وهكذا يرجع بنا الفلاش باك إلى اليوم الذي يدخل فيه أفراد مسلحين ويغتصبوا هذه الفتاة لترزق بهذا الطفل الضرير نتيجة لاستخدام الغاز الكيمياوي... (كرين) تعيش في ازدواجية غريبة فهي تشعر بواجباتها تجاه ابنها، لكنها لا تطيق النظر إليه كونها تعتبره ابنا لأولئك الذين قتلوا والديها..

المشهد الأخير في الفيلم وهو الأروع، يطير أحد أصدقاء السيد ستلايت فرحا لإخباره بنبأ دخول الأميركيين إلى بلدته، لكن ستلايت يدير ظهره لهذا الدخول، وكأنه فهم مسبقا أن كل من يأتي من خلف الحدود لن يحمل الأمل الحقيقي للأكراد. في هذا لفيلم كان قبادي أكثر من مخرج، وأكثر من عبقري مبدع، كان فيلسوفا عندما قال: «في كردستان يجب عليك أن تكون راشدا منذ يومك الأول».

مشهد ستلايت الذي نسته منظمات مكافحة الألغام لأن ساقه بترت وأصبح عاطلا على العمل وهو يبكي على انتحار كرين، فقد كان يحبها ولم يجد وقتا للاعتراف بذلك، جثة الطفل غير الشرعي تطفو على سطح البحيرة، الأمريكيون يدخلون القرية، سلال الاطفال مليئة بالألغام بانتظار المنظمات الدولية. مشهد يكاد لا ينسى، بمهارة كيمائي خلط المخرج الحب بالعوز بالحرمان بالظلم بالأمل بالإحباط بالكبرياء، أراد أن يقول أنه يمكن لطفل كستلايت أن يحمل أعباء بحجم وطن!؟

في فيلم (نصف القمر) وهو الرابع للمخرج قدم قبادي كردستان خارج إطار الجغرافيا السياسية معتمدا بذلك على الإرث الثقافي الزاخر للأكراد. بقالب فني سينمائي غاية في الإتقان يقوم بطل الفيلم وهو شاب كردي متخصص بالموسيقى برحلة جلجامشية يجوب خلالها المنطقة الممتدة من كرمتنشاه في إيران إلى آخر قرية بجبال قنديل على الحدود مع تركيا مارا بكل بلدات كردستان العراقية وعازفا موسيقى الاكراد التقليدية أينما حل.

خلال اختياره نوعية الآلات والمقطوعات برهن قبادي على معرفة دقيقة بذهنية الاكراد، وبالتركيبة الاجتماعية لغيرهم من الاقوام الذين يشاطرونهم الجغرافيا كالعرب والفرس والاتراك والاذريين. بنصف القمر أكمل بهمن قبادي رباعيته البديعة التي روت التفاصيل الصغيرة لقصة الاكراد مع التاريخ والزمن، وفي هذا الصدد يقول قبادي نفسه «فقط أردت القول إن ثمة أناس أيضا في ثنايا هذه الجبال».

(لا أحد يعرف شيئا عن القطط الفارسية) هذا هو العنوان الذي اختاره قبادي اسما لأولى أفلامه التي تدور أحداثها خارج حدود كردستان، وتتعرض لقضايا إيران وليس قضيا الاكراد في إيران. في هذا الفيلم يسلط المخرج الضوء على موسيقى الروك والهيب هوب والموسيقى الغربية في إيران وانتشارها الواسع بين شباب العاصمة طهران وعدم تقبل السلطات لهذا النوع من الفن.

من جديد يعود قبادي ليبرهن قدرته على رصد التفاصيل وإحداث نقلة نوعية وانعطافة حادة، فهذا الفيلم يتميز بإيقاع سريع وصاخب وغاضب ومتمرد، هو لا ينتمي إلى أعمال قبادي السابقة ولا إلى السينما الإيرانية التي تتميز غالبا بنظرة تأملية وإيقاع بطيء نوعا ما.

يدخل قبادي عالم المحرمات في إيران، يجوس في الأقبية تحت الارض، ويصور ولع الشباب بهذا النوع من الموسيقى، يعرض استشراء الفساد والطرق غير القانونية التي يعتمدها هؤلاء الشباب لرشوة بعض المسؤولين لتأمين احتياجاتهم من الآلات والأماكن والتغاضي عن الجمهور.

الفيلم لقي نجاحا كبيرا وحاز على اهتمام النقاد عندما عرض في مهرجان كان، لكنه قاد قبادي إلى السجن بعد عودته كون الفيلم أضر بصورة إيران كما تقول السلطات، وكون الصحفية الامريكية روكسانا صابري التي اتهمت بالتجسس شاطرت قبادي كتابة سيناريو الفيلم عندما كانت في إيران.

وفي معرض تعليقه على ما جرى قال قبادي «كنت أعرف أني سأسجن، لكن الفيلم كان أقوى من أن أتوقف عن التصوير»!

قبادي في سطور:

* من مواليد عام 1968 في قرية بانة الكردية على الحدود العراقية ? الإيرانية

* درس الإخراج السينمائي في جامعة طهران وتتلمذ على يد المخرج عباس كيا رستمي

* أخرج أكثر من عشرة أفلام قصيرة وخمسة أفلام روائية جلها عن حياة الأكراد

* أهم أفلامه (بإمكان السلاحف أن تطير) الذي نافس على جائزة الأوسكار عام 2004

* سجن لمدة أسبوع على خلفية إخراجه فيلم (لا أحد يعرف شئيا عن القطط الفارسية)

* عرضت عليه أكثر من دولة الهجرة والجنسية لكنه رفض وآثر البقاء في إيران

* اعتبره النقاد حالة خاصة في السينما الإيرانية والكردية ومنحوه لقب عاشق كردستان .

عبد القادر طافش