الشاعر اكثر التصاقا بالأمكنة وكادت ان تكون مصيره، فشفافيته تدفعه الى علاقة قدرية بالأمكنة التي تحتويه، ولأن الشاعر ينضح بالحب، فليس لديه مكافأة سواها للأمكنة تبادله الحب ذاته، بل الأمكنة حافظة الأسرار وانكشافها في الآن ذاته، وما من شاعر لم تنبت بين ضلوعه أشجار من الحنين تسلقت اشعاره لتشرف على الضوء والنور في علاقة لا ينوء عنها الجدل الحادية احيانا.. بين الامتلاك والفقد، بين الحاح الذاكرة التي تنز من المكنة المألوفة وبين طفولة الروح التي انعتقت باكرا في الطرقات.
الشعراء هم اكثر من اعترف بسطوة الامكنة على مصائرهم وهم اكثر من مارس شفافية مع الاحجار والاشجار والساحات الخالية وفضاءاتها مثلها الازقة الضيقة، والتصاق البيوت، واقتراب الافراد من بعضهم البعض، وقدرتهم على ترك انفاسهم هنا وهناك.. الشعراء هم اكثر صداقة مع الوجوه العابرة والوجوه المتسمرة في مكانها.. هذه الالتصاق المصيري الحاد جعل بعضهم يؤسس مدنه وامكنته في الخيال، تلك الامكنة السرية المفعمة بالمثالية. تبادلنا الاماكن الشد والجذب نفسه، وكأنها تحاكينها تسألنا مثلما نسألها، تجيب مثلما نجيب، تؤسس معنا علاقة حية، فنسلب في فلكها ونحترم حضورها، ونقبل تأثيراتها علينا..في ظل هذه العلاقة الشائكة، نجد انفسنا نعترف في احيان كثيرة بقسوتنا عليها.
تكسرنا المدن وتجرحنا حينما تغيب او نغيب عنها، لهذا كانت الغربة عن المكان او في المكان خنجرا، نصله لا يعرف الرحمة، جعل آلاف الشعراء ينشدون في قصائدهم اغان مؤلمة.. قالوا ان الاحلام والمغامرات هي التي تولد المدن والامكنة ، مثلما هو الخوف والرعب من المجهول والاصرار على البقاء يجعل للمدن حاجتها الماسة..للامكنة سلطان، ولها مصير حتمي والانسان الكائن الحي المفعم بالروح الشفافة لا يمكنه نكران تلك السطوة عليه. تشب المدن مثلما تشب الصبايا، يافعة مفعمة بخصوبة الاحلام، تنمو كما تنمو الكائنات الحية، تكتسب وتراكم مخزونها المادي والروحي في خطين متوازين، تمارس القسوة مثلما تمارس الرحمة والحنان.. تتعتق وتشيخ كما نشيخ نحن. سكنت المدن اكثر ما سكنت لدى الشعراء وانغمست في همهم الشعري..
كفافيس «الانتماء الى التراب اليوناني»، سان جون بيرس «اناباز»، غاستون باشلار «ذاكرة المكان» ، الشاعر العربي امرؤ القيس «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل، بسقط اللوى بين الدخول فحومل»،، شعراء على مد التاريخ البشري انشدوا لأمكنتهم، أحبوا امكنة وكرهوا اخرى، روائيون على الجادة سلبتهم المدن بسحرها وعذاباتها ادباء وفنانون، عازفون وراقصون واناس عاديون ايضا.. مختلفون.
في الطريق الى منطقة الخان التي نمر بها كثيرا ويمر بها اخرون مثلنا يعرفونها ولا يعرفونها تداعت اقاويل المقدمة اعلاه..فالخان، هذه المنطقة الصغيرة الواقعة بين رمل وبحر يصعب على الذي رأها قبل اليوم ان يحتضنها في نظرة عين، فذلك كان متوفرا في السابق، حينما كانت مجموعة الاحياء والبيوت الطينية تشكل في لوحة فنية غاية في التأثير جسرا فوق لسان من الرمل يتلوى بين موج البحر بحيث يمكن جمعها في نظرة واحدة تتبدى امام عين الرائي ولو من بعيد..
حيث الحضور الشرس، الذي لا مفر منه، لسان من اليابسة، وشمس تغيب من خلفه بطيئة.. يشتعل عمق اللوحة وفضاءها الخلفي باللون الذهبي، وتبدو البيوت اشباحا صغيرة في الواجهة، وبعض نخلات ومآذن..صوت البحر لا يكف عن الانسياب الى البيوت والمساجد وغرف النوم، اما في ايام الرياح الشديدة فسيصبح مزعجا ومخيفا، عدوا مؤذيا، بحارة يسيرون في العمق واخرون على الاطراف، شباك صيد ملقاة على الشاطئ الفضي، بعض سفن صغيرة وكبيرة.
احجار مرجان، اسماك صغيرة تسير في اسراب. شعاع شمس من بعيد على عين طفله تفيق قبالة البحر ورائحة السفر الطويل. اهل الخان متمرسون في ركوب البحر..متمرسون في معرفة المطالع والرياح والنجوم والأسفار الطويلة، لهذا اكتنزت بيوتهم بكثير من البطولات البحرية، مثلما اكتنزت باسماء بارزة حققوا تلك البطولات.
كانت الخان عبارة عن لوحة جمالية تبث احالاتها كقرية طينية على لسان يابسة يعانقه الماء والملح من كل صوب..طيور النوارس هي الاخرى لعبت دورا بارزا في صياغة تأثيراتها، حيث الجمال الذي تسكبه الطبيعة البكر بين كثبان رملية بيضاء وبين بحر ازرق يأكل منها وتأكل منه يشكل مثيرا حقيقا للتأمل.. تلك هي كانت الصورة القديمة، اما الخان اليوم فهي مختلفة تماما، حيث لم يبق من تلك اللوحة الا اطلال.
وحلت محلها لوحة حديثة لا تخلو ايضا من جمال.. الذين عاشوا في منطقة الخان، او الذين مروا بها يدركون حجم التبدل والتغير الذي حدث لذلك الميناء الطبيعي المتكون من ماء ورمل ابيض.
بين ماضي منطقة الخان وما كانت عليه، وما لعبته من دور كونها احد مقار بحارة اللؤلؤ الثمين، وبين فكرة المشروع الانمائي الذي تتعرض له والذي يفتح بابا آخر للشهرة ايضا كونها ذاهبة لأن تكون متحفا للذاكرة البحرية يؤمه السياح من اهل المنطقة والسياح الذين يأتون للاقتراب اكثر من بوح الخصوصية والتاريخ، تبدوا منطقة الخان وكأنها تصارع البقاء، حينما تعيد بيوتها الطينية في مقابلة الابراج الزجاجية شيئا من سيرة الماضي.
في الطريق الى منطقة الخان او بحثا عن بقاياها..لا يمكن ان يكف صوت البحر عن الهدر ولا البيوت الطينية المتبقية عن البوح حتى وهي تحت اسر سقالات الترميم والتجديد.
في الطريق الى منطقة الخان.. حدثني شيخ عجوز راح يتوكأ عكازه ويجر قدمين اثقلتهما التجارب يقول: هذا البحر كان مختلفا، ورمل هذا الشاطئ كان اكثر بياضا، وذكر اسماء كثيرة لرفقاء الحياة منهم من رحل ومنهم من اختفى خلف الابراج الجديدة والوجوه الجديدة. قال لي: من هنا كانت تدخل سفن «الغوص»، لسان مائي يعانق الرمل الابيض، يخترقه اختراقا قسريا، هنا تتجمع اسماك «العومة»، اسماك السردين في مواسمها، هذا بيت فلان، هذه القلعة كانت تصد الاعداء، تمتلء بالحراس والاسلحة في ايام الحرب..من يحاربون؟.
.من يأتي يريدنا بنا سوء، هي في الغالب للحراسة، لا تهتم بالامر، هناك قصص كثيرة حدثت، في المرة القادمة عندما تأتي متفرغا وتجلس ساحكيها لك..انظر هذا بيت كبير، هو قصر الشيخ.. «الخان» بين الشارقة ودبي، الخور يفصل ما بينهما، لكن بحارة دبي يأتون الى الخان حينما ترسوا سفنهم، هنا يتم تصليح السفن، وتأت السفن بالبضائع من الاماكن البعيدة.. لماذا سميت بهذا الاسم؟ لا اعرف منذ ولادتنا ونحن نسمع اهلنا يطلقون عليها الخان..حينما كنا اطفالا نعبر ايضا الى البر الثاني..حينما «تثبر المايه» _ حينما يصبح خور الخان ضحلا بسبب ظاهرة الجزر _.
الخان اليوم وبعد ان ازيلت عشرات البيوت الطينية القديمة منها، ولتأثر بيوت وقلاع مهمة نتيجة الاهمال، تبدو بقايا منطقة، وتاريخ، لكن حكومة الشارقة تعمل لإعادة تأهيل المنطقة، فيما ان الرغبة في احياءها كمكان سياحي قد دفعت الى اقامة «كواريم» يعرض اسماك الخليج امام الزوار ومتحفا بحريا يضم ذاكرة البحر..هناك حركة نشطة لترميم القلاع والقصور والبيوت، الأمر الذي يبشر بعودة الحياة الى ذلك اللسان البحري وبعض ما تبقى من ذكرى.
في بحثي عن الاسم الذي يبدو غريبا على البيئة لكون مفردة «خان» تعني النزل، صادفت مدونة على الشبكة العنكبوتية يقول صاحبها ان المنطقة سميت بهذا الاسم لأنها معبرا للقوافل التي كانت تتبع الساحل في ترحالها من والى دبي، وان القادمين خصوصا في المساء يضطرون للمبيت في هذه المنطقة انتظارا لفتح ابواب سور مدينة الشارقة التي كانت آنذاك مسورة وعليها حراس، حيث تغلق في المساء أبوابها على سكانها..الباحث عبدالعزيز المسلم لم يؤيد هذا التفسير.
ولا يؤكد كلام المدونة، لكنه وعد بأن يكون هذا محط اهتمامه في الأيام القادمة.. لا توجد معلومات كافية عن منطقة «الخان» سوى سطور قليلة سواء في المدونات او الكتب السياحية تقول ان منطقة « منطقة الخان اعتمدت على اللسان البحري الممتد بين الكثبان الرملية مما شكل مرفأ لسفن الغوص وسفن الصيادين وبعض السفن التجارية.
وان اهل الخان عاشوا على مهنة الغوص وصيد الاسماك والرحلات التجارية، وان هذا اللسان المائي تعرض خلال مرحلة من التاريخ للانسداد حينما امتلأ بالرمل واختفى كونه ميناء يتحمل ايواء السفن الكبيرة.. غير هذا لا يوجد مرجع يسجل الحياة الاقتصادية والاجتماعية بتفاصيلها الدقيقة.
وعلى الرغم من وجود قلاع وحصون وهي بلا شك تحمل ذاكرة غنية تبين اسباب وجودها، الا كل هذا بقى حكايا، مجرد حكايا يقولها ذلك العجوز الذي صادفته مصادفة، او سواه من اهالي المنطقة الذين فقدوا كثيرا من ثقافتهم الشفاهية وتاريخ المكان بعد رحيل جيل من الاجداد والاباء شهدوا اهم تلك المراحل المكتنزة بمأثوراتهم عن علاقتهم بالبحر. حيث سفن الغوص والغواصين الذين امتهنوا البحر واللؤلؤ والاسماك والاسفار وربابنتها وصناع ومصلحوا السفن واشرعتها.
مدينة صغيرة لكنها اكتضت بالحكايا والاحداث، وكانت هدفا لأهالي وجدوها مكانا غنيا بالخير، مصدر رزقهم وفرحهم ولؤلؤهم واسماكهم. للناظر الى صورة «الخان» من على البعد اليوم تبدو في مساحة خالية بعض البيوت المتناثرة وشيئا من التاريخ يحاول ان يؤكد وجوده.
فيما الابراج الزجاجية والمدينة الحديثة تمد سطوتها على ذلك اللسان من اليابسة الذي يذهب الى البحر ، فالنظر من قلعة الخان المتهالكه والتي تنتظر الترميم او من احدى شبابيكها المسنودة بخشب «الجندل» الافريقي يعقد مقاربة حادة بين نوافذ تلك الابراج ومن خلفها وبين هذا التاريخ المعتق الذي تقاوم بقاياه الوجود ، فالخان اليوم تتهيأ بأن تكون منطقة مثيرة للاهتمام وللسياحة ايضا، مع دخول مشاريع ترميم ما تبقى من بيوت وحصون قديمة.
ومع وجود متحف الشارقة البحري الذي يقدم بانورما عن حياة الصيد وسفن الغوص والتجارة، وهي صورة اخرى لحياة اندثرت، لكنها تركت بقايا من تلك الحياة للتأمل. واسئلة كثيرة ملحة حول مصير تلك الحكايا وتلك القصص التي كتبها سكان المنطقة على رمل الشواطئ وصفحة الماء حينما كانو ينسجون بطولاتهم مع الطبيعة، ضاعت تفاصيل الحياة الاجتماعية التي لم تسجلها كاميرا ولا دفتر.
مرعي الحليان


