في ذات الأرجوحة ثمة شطط في القوة الدافعة لها، في جمعها بين مسار محتوم لحركتها، وطابع المفاجأة في حركة المسار، وكأن الأرجوحة تصنع عالمها الخاص، وتمارس لعبة الغميضة مع راكبها.

تضعنا الأرجوحة، كما هو اسمها في مواجهة اللامألوف، اللاتوقع، بما أن الحركة الخاصة بالمرجحة متعددة الاحتمالات من جهة المسار ومهبط الجسم أو مستقره الأرضي المعلوم، وذلك تبعاً لطبيعة الحركة المتمثلة في الأرجوحة، وهي الحركة التي تسجّل تحولاً أو انعطافاً فيما هو سائد، أو موعداً للجسم مع مختلف صعب التحديد، إلا أن الجوهري فيه هو أنه حوار مع المجهول، وإن كان الفعل بسيطاً، كون المنشود نقيض الموجود بشكل ما.

ثمة بثّ حلميُّ الطابع يفتتنا، نابضي الإيقاع ونحن طوع الحركة المتأرجحة. ثمة فضاء ينفتح على رغبات تعزّز فينا قوى غافية قد لا نتهيأ لها وهي تتجاوزنا بمنطقها، بسريان فعلها فينا عندما نجهر بحقيقة إرادة تحيلنا من خاصية الجسم هذا الذي يُعرَف بتوازنه، وكيف يتقيد بقواعد الحركة في الاستقامة والانحناءة أو القرفصة أو الوثب..الخ.

متحكماً إلى حد ما بما يقوم به إلى عمومية حركة لا يتكفل جسمنا الذي نعرفه غالباً بمآلها فينا، إنها إرادة متشكلة دون إرادتنا الفعلية هذه التي نعتادها وندخل معها في حالة الألفة، إرادة احتياطية تثملنا ولو على هيئة ومضة خافقة في كلية الجسد كما الطيران في عالم الحلم ولو بوعي نسبي، حيث التحليق المختصر يحرّرنا لبعض جلي من الوقت من أسر الجاذبية الأرضية، يوحي إلينا على أن التالي يكون الأكثر زخماً بالمتعة الصامتة.

لعله بعضٌ تليد من متاع الأرجوحة في قانونها الفيزيائي الشديد الخصوصية. الأرجوحة: الحلم بالطيران الحر، حيث البداهة تكون الطابعة لجهة البغتة: الفلتة فيها، نباهة رغبة لاشعورية لا تخفي بُعد الحيلة من ناحية الجسد الذي يعنينا واقعاً، وكما هو مقدَّر يومياً، في الجسد الذي لا ينتظم كما نهوى أو نريد حرفياً أو نحلم طبعاً، لأن الأرجوحة، لحظة إمعان النظر في الفكرة التي تومض خللها، تمثل رغبة صريحة في تجاوز طبيعتنا الأرضية!

في ذات الأرجوحة ثمة شطط في القوة الدافعة لها، في جمعها بين مسار محتوم لحركتها، وطابع المفاجأة في حركة المسار، وكأن الأرجوحة تصنع عالمها الخاص، وتمارس لعبة الغميضة مع راكبها، ثمة تشكيلة واسعة من الأهواء التي ترتد إليها، من ناحية القوة التي تخرجها من طور الثبات إلى طور الحركة وموجبتها.

وخروج الجسم من وضعية المتبصر لما هو عليه إلى وضعية المأخوذ لما يحل فيه، لأن الفعل الذي يرتسم في نطاقها لا يحدد اتجاهاً، كما هي البوصلة جغرافياً، لأن الانتقال من عالم أرضي إلى ما يليه عالياً، بعناصر مشدودة إلى الأرضي، يُعزى إليه طابع الإيماء، أي الانبساط الدائري الواسع المدى، توخياً لخلاص روحي غامض...!

وإذا كانت الأرجوحة في بنيتها مشكلة من مواد لا تحجب انتماءها الأرضي، وحتى رسم مسار لها، أي فيما يشدها وما يمنحها اهتزازاً وقفزاً ما في فراغ محسوب، ضمن حدود قوة مفترضة، فإنها تكشف في صانعها وفي البنية النفسية لمن يلوذ بها، عما لا يُسمَّى، عما هو إنساني طموحاً تحيناً لفرصة متمايزة، كما لو أن المتأرجح يثبت خلافه عن سواه من الكائنات الحية الأخرى، خلافه عما اعتاده وعما هو متوارث فيه وعن طريقه، رغم المساحة المعلومة للأرجوحة.

ولكنها من ناحية البنية والمفهوم، تجسيد متجدد لحقيقة غير مؤطَّرة تمس الجانب الآخر والأعمق غوراً في التكوين البشري، وهو جانب الارتقاء إلى الأسمى والأرحب، إلى كيفية تطويع المتاح من قواه الجسدية الكامنة لتلك القوى التي يعتقدها قائمة فيه، وتنتظر الأسلوب المناسب لاستدعائها، ليكون في مقدور الجسد الإيحاء إلى أن ثمة ما لم يستثمَر بعد، ما لم ينجَز في عالم قوى الجسد وثراء إمكاناته، عندما تكون الأرجوحة اتصالاً بتلك الكائنات المرئية في محيطة:

أي الطائرة بطبيعتها، وإعلاماً لها على أن ثمة من يحاول التغلب على شروطه الطبيعية، وهو ساع إلى منافستها لا بل والتغلب عليها هي ذاتها، لأن حركة الطائر لا تعدو أن تكون أرجوحة محمَّلة بنظامها المناسب طيراناً، أما بالنسبة للإنسان فإن النظام يكون تالياً ومفكَّراً فيه.

وتلك هي الميزة المبحوث عنها والمسماة في الإنسان، وكيف أن الأرجوحة الأرضية المقام، تمثل القاعدة الحميمة لانطلاقة الجسد من خلال المنجَز التقني(في المنطاد، في الطائرة، في التلفريك نفسه ولو جزئياً، وحتى في البحر ـ مثلاً ـ ونحن نغوص فيه، ونندفع جسمياً متشقلبين طي مائه مستعيدين صفة أرجحة محمولة مائياً لا هوائياً هنا) كيف أن الأرجوحة تضع المرء في الحيّز الأكبر لطموحاته، في التعريف به كائناً متجاوزاً لكل تعريف منطقي فيه، أن الطفولة التي تمثّل عالم الأرجوحة الخصب الدائم والملهم للخيال، تتراءى بذرة إنعاش كبرى لما يلي لاحقاً عمرياً، بما أن الطفل يشعر أنه قادر على القذف بجسمه في الفضاء الذي يشعر أنه جدير به.

وفي منجى من المجاورة الأرضية، أسيرها، وبالتالي تكون الأرجوحة طفرة مؤقتة في حركة الجسم، سرعان ما تعود بصاحبها إلى نظام لا يمكنه الخروج عليه، ولكن ما يبقى هو طيف الأرجوحة، وحافزها الفني والأدبي في تعزيز قوى الجسد، كما هو عالم الكتابة الإبداعية والتحليق خارج حدوده الزمنية، تبعاً للقوة الدافعة في الأرجوحة، أعني أرجوحة الخيال، وفي هذا المضمار المركَّب يتأرجح الظل الفعلي والمشكَّل لكل منا نحن بني البشر!

إبراهيم محمود