تقول الأسطورة، إن الفتى الوسيم الذي عشق نفسه «نرسيس» تعرف على صورته لأول مرة، من خلال صفحة ماء عبر بها مصادفة، وعندما شاهد صورته فوق صفحة الماء هذه، ظل يتأملها بإعجاب شديد، دون أن يعلم أن ما يراه ليس سوى صورته. ولشدة افتتانه بها، ظل يتأملها حتى أدركه الموت وسقط في الماء لتنبت مكان سقوطه زهرة «النرجس» .

ومنها جاء اصطلاح «نرجسي» و«نرجسيون» أي أولئك الذين يقعون في عشق أنفسهم، ويدورون حول ذواتهم، بنوع من الأنانية المفرطة التي سرعان ما تتحول إلى نوع من المرض النفسي هو «النرجسية» أو «عشق الذات». المرآة الأولى صفحة الماء أو «المرآة الأولى» هذه، لا تزال موجودة ومستمرة في تأدية مهمة عكس صور الناس والبيوت والأشجار والنباتات والأزاهير والمراكب والشمس والقمر والنجوم والغيوم المتناثرة فوق صفحة السماء ... وغير ذلك من العناصر والأشياء الناهضة حول حفافي بحيرة ماء راكدة، أو على ضفتي نهر هادئ الحركة، أو بالقرب من خليج عجوز منهك.

قد تكون المرآة الطبيعيّة الأولى هذه هي التي دفعت وحرضت الإنسان على اختراع المرايا المستعملة بكثرة في حياتنا المعاصرة. بها ومن خلالها، يتأكد الإنسان من أناقته، وحسن هندامه، وترتيب شعره، ونظافة وجهه، وبواسطتها يقوم الرجال بحلاقة ذقونهم كل صباح، وللمرآة بعد وظائف ومهام أخرى كثيرة من الصعب الوقوف عندها وتعدادها في عجالة كهذه.أما المرآة الطبيعيّة، فقد باتت لا تلفت انتباه أحد سوى الفنانين والشعراء والحالمين، هؤلاء الذين يبحثون عنها ويتأملونها بكثير من العشق والرومانسية، كلما سنحت لهم الظروف بذلك، وواجهوا هذا السحر الطبيعي الرائع والجميل والمثير، خاصة أثناء الغروب أو الشروق، وفي سويعات سكون الطبيعة وهدوئها وصمتها وتجلياتها النادرة المسكونة بالشعر والحلم وتداعيات الخيال، خلف ظاهر الأشياء، بحثاً عن أجوبة لا تزال معلقة، لأسئلة كثيرة، تسكن عقل وعواطف وروح الإنسان، منذ صيرورته الأولى وحتى اليوم.

ولتحقيق اللقطة الناجحة والمعبرة، يقومون بدراسة مستفيضة للعناصر المنعكسة فوق صفحة الماء: لوناً وحجماً وماهيةً وإضاءةً وتكويناً ودلالةً، بهدف الخروج بعمل فني جميل ومعبر، يتكون من مشهدين متماثلين في العناصر والألوان والتكوين. المشهد الأول هو الناهض فوق ضفة النهر أو البحيرة أو الجزيرة أو الخليج، والثاني المنعكس على صفحة الماء بصيغ مختلفة. فإذا كانت صفحة المياه صافية، رائقة، وهادئة، أعطت مشهداً شبيهاً بالأصل، إنما بدرجة لونية أغمق، بتأثير كثافة الماء. أما إذا كانت صفحة الماء متحركة، والماء نفسه غير صافٍ، جاء المشهد مهشراً، ومتموجاً، لكن دون أن يفقد ماهيته وملامحه العامة. يُضاف إلى ذلك أن قرب عناصر المشهد من صفحة الماء، أو بعدها عنها، يؤثر هو الآخر، على تكامل المشهدين وتماثلهما، وفي حال قام الإنسان بإلقاء حجر في الماء العاكس للمشهد، يتحوّل المشهد إلى ما يشبه الدوامة، أو ما يُعرف اليوم بخداع فن البصر (أوب آرت) وقد يتماهى بالصيغة الفنيّة السورياليّة، أو التكعيبيّة، أو التجريديّة.

المرآة الثانيّة

نفس التشكيلات الفنيّة الغرائبيّة والتي يصعب تصنيفها، ضمن هذا الاتجاه الفني أو ذاك، بإمكان المرآة الصناعيّة، تشكيلها إذا ما وزعت أعداد منها، ضمن ترتيب خاص، بحيث تقوم بتكرار المشهد مرة أو مرات عديدة، وبتداخل مثير وساحر، يمكن إدراجه ضمن فنون خداع البصر، وبإمكان مرايا محدبة أو مقعرة، أن ترسم لوحات كاريكاتيريّة ساخرة، للأشياء المنعكسة عليها. إذ يمكنها تحوير الملامح، وتشويهها، وتغيير حجمها وشكلها تصغيراً أو تكبيراً، تقليصاً أو مداً، ضغطاً وتكثيفاً، أو توسيعاً وبعثرةً.

ويقال إن عدداً لا بأس به من رسامي الوجوه (البورتيرهات) الكاريكاتيريّة الساخرة، يلجأون إلى استخدام مرايا وعدسات خاصة، تسعفهم في الحصول على التحويرات والمبالغات (وأحياناً التشويهات) التي يجسدونها في رسومهم، بعد أن يُخضعوا صور المرسومين، لهذه المرايا والعدسات، بحيث يمكن القول، أن رسومهم هذه، ولدت بجهد مشترك، من موهبتهم في الرسم والتصوير ونقل الملامح، ومن العدسات والمرايا، تماماً كما يحدث مع عدد كبير من النحاتين الذين ينجزون أعمالهم الفنية من خامتي الحجر والخشب.

إذ يتأمل النحات التكوين الذي شكلته الطبيعة بعوامل الحت المختلفة (الرياح والأمطار) في قطعة الحجر، أو الذي شكلته حركة النمو في جسد الشجرة وأطرافها، ثم يشذبه قليلاً، كاشفاً عن عمل نحتي متكامل ومعبر ومستوفٍ للمقومات والخصائص الفنيّة السليمة، كالارتكاز، والتوازن، والحركة، والتكوين المستقر، ومن ثم التعبير عن مضمون أو فكرة ما، وفي هكذا حالة، يكون النحات والطبيعة، تشاركا جنباً إلى جنب، في إنجاز هذا العمل. الأمر نفسه، تفعله المرايا والعدسات، مع رسامي الوجوه الكاريكاتيريّة، أو مع بعضهم.

حاجة لصيقة بالحياة

الحقيقة، لقد تحولت المرآة في حياة الإنسان المعاصر، إلى حاجة أساسية لصيقة بمرافق حياته اليوميّة كافة، وصارت الوسيلة الرئيسة للتأكد من حسن صورته، وأناقة ثيابه، وجمال هندامنه. لذلك فهي موجودة في محافظ النساء والرجال على حد سواء، جنباً إلى جنب مع المشط. وموجودة في السيارة الصغيرة والكبيرة، فوق المغاسل، وفي الحمامات، وفي الخزائن، وغرف النوم والاستقبال والمصاعد ومداخل المطاعم والفنادق وغرف القياسات في المحال التجاريّة ..

وأماكن أخرى كثيرة. قد تتعدد مهام المرآة ووظائفها، لكن مهمتها الرئيسة التي انوجدت من أجلها، لم تتغير وتتبدل وهي: أن يرى فيها الإنسان شكله لابساً أو عارياً، في ثياب النوم، أو الخروج، أو العمل، أو الرياضة، وحتى في الرسم الذاتي، إذ أن المرآة الثلاثيّة الأجزاء، كانت وسيلة الفنان التشكيلي لرسم صورته الشخصيّة.

ولا زالت تُستخدم حتى الآن، لهذا الغرض رغم مزاحمة الصورة الضوئية لها، واعتماد هذه الأخيرة، متكأً رئيساً، ومسعفاً أساساً، من قبل غالبية الرسامين والمصورين والنحاتين والحفارين، في إنجازهم لأعمالهم الفنيّة، سواء الوجوه أو الأجساد، أو المناظر الطبيعيّة الخلويّة، وحتى الطبيعة الصامتة، صارت تُرتب وتُنظم وتُكوّن في المحترف، ثم تُسجل في صور ضوئيّة حاضنة لمقومات اللوحة كاملة: رسماً ولوناً وظلاً ونوراً وتكويناً وتعبيراً، وما على الفنان التشكيلي سوى نقلها حرفياً إلى لوحة زيتيّة أو مائيّة أو بألوان الغواش، لتتحول بعدها إلى عمل فني نُفذ بوساطة الصورة الضوئيّة.

قرينة وجود

هذه الاستخدامات المتنوعة والمتشعبة والكثيرة، للمرايا في الحياة المعاصرة، جعلها إحدى قرائن وجود الإنسان. فحيث توجد مرآة، يوجد إنسان شغوف بتأمل صورته، والتأكد من حسن مظهره، وأناقة لبسه، وجمال تسريحة شعره، ونظافة وجهه، وسلامة ملامحه، وانسجام (اكسسواراته) (إشارب، قبعة، كوفية وعقال، نظارة، حجاب، عصبة) مع ملامح وحجم وجهه أولاً، ومع ما يرتديه من لباس (طقم، دشداشة، قمباز، فستان، بنطال وقميص، كرافت، شال، خراطة، حذاء، محفظة، حمالة مفاتيح، زنار، مسبحة ... الخ).

كل هذا، ليبدو في أحسن صورة، وتالياً حسن الوقع في عيون الآخرين: في عيون الرجال بالنسبة للنساء، وفي عيون النساء بالنسبة للرجال، وفي عيون الجميع بالنسبة للممثل ورجل الأعمال والمدير والمسؤول وعاشق ذاته، مع الاستدراك والإشارة، أن هوس الأناقة الذي تؤكده وتعكسه المرآة، نسبي من إنسان لآخر.

فهناك الإنسان العملي العادي الذي لا يولي اهتماماً كبيراً لأناقته، وهناك الذي يبالغ فيها، وفقاً لمهنته وموقعه الاجتماعي، أو بدافع نفسي يصل لحد المرض لدى بعضهم، لا سيما النساء اللواتي يحرصن على أن يكن جميلات، ساحرات، مرغوبات، في عيون الرجال، ومتميزات متفردات، في عيون بنات جنسهن، لذلك جاءت المرآة بصيغة المؤنث!

ميدان إبداع

وككل الحاجات الاستعماليّة في حياة الإنسان، طاولت المرآة نزعة التزويق والتزيين والتجميل، ما حولها إلى ميدان إبداع، لعدد من الفنانين التشكيليين والحرفيين، حيث تفننوا في ابتكار أطر لها، من مواد وخامات مختلفة، بينها الخشب، والحجر، والرخام، والمعادن، والبلاستيك. كما تعددت أشكالها وطرزها، فكانت دائرية، وبيضويّة، ومربعة، ومستطيلة، ولم تقتصر عملية تزويقها على أطرها فحسب، بل طاولت سطحها، حيث حُفرت عليه الزخارف، وخُطت الكلمات والعبارات، بوساطة تقانات عديدة، منها الضرب بالرمل.

د. محمود شاهين