مؤلف كتاب «البيان والتبيين» أديب العربية الأكبر «عمرو بن بحر بن محبوب الكناني ـ أبو عثمان الجاحظ» مولده سنة 163هـ ووفاته سنة 255 هـ في البصرة.

قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه، وكتابه هذا: آخر كتب الجاحظ تأليفاً وأحد أركان الأدب العربي، كشف فيه الجاحظ عن سحر البيان العربي في مجالي الكتابة والخطابة، وتصدى فيه لأولى حركات الشعوبية مفنداً آراء دعاتها، وقد جمع فيه أيضاً كثيراً من الخطب للرسول الكريم محمد «صلى الله عليه وسلم» وللصحابة وللذين اشتهروا بفن الخطابة.

من الكتاب: قال أبو عثمان عمرو بن بحر رحمه الله.. اللهم إنّا نعوذ بك من فتنة القول، كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك التكلّف لما لا نحس، كما نعوذ بك من العجب بما نحس، ونعوذ بك من السّلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العي والحصر، وقديماً ما تعوّذوا بالله من شرّهما، وتضرعوا إلى الله في السلامة منهما وقد قال النمر بن تولب:

أعذني ربّ من حصر وعيّ

ومن نفس أعالجها علاجاً

وقال الهذلي: ولا حصر بخطبته

إذا ما عزّت الخطب

وقول بشار الأعمى:

وعيُّ الفعال كعيّ المقال

وفي الصمت عيّ كعيّ الكلم

وقالوا في الصمت كقولهم في المنطق، قال أحيحة بن الجلاح ـ مجزوء الكامل:

والصمت أجمل بالفتى

ما لم يكن عيُّ يشينه

والقول ذو خطل إذا

ما لم يكن لب يعينه

وسأل الله عز وجل موسى بن عمران عليه السلام، حين بعثه إلى فرعون بإبلاغ رسالته والإبانة عن حجته والإفصاح عن أدلته، فقال حين ذكر العقدة التي كانت في لسانه، والجمعة التي كانت في بيانه «واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي » طه 72.

وأنبأنا الله تبارك وتعالى عن تعلق فرعون بكل سبب واستراحته إلى كل شغب، ونبهنا بذلك على مذهب كل جاهد معاند، وكل محتال مكايد حين خبّرنا بقوله:

(أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين) الزخرف 52.

وقال موسى عليه السلام: وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني» القصص 43- وقال: «ويضيق صدري ولا ينطلق لساني «الشعراء 31، رغبة منه في غاية الإصاح بالحجّة والمبالغة في وضوح الدلالة لتكون الأعناق إليه أميل والعقول عنه أفهم، والنفوس إليه أسرع، وإن كان قد يأتي من وراء الحاجة، ويبلغ أفهامهم على بعض المشقة.

ولله عز وجل أن يمتحن عباده بما شاء من التخفيف والتقليل ويبلو أخبارهم كيف أحب من المحبوب والمكروه، ولكل زمان ضرب من المصلحة ونوع من المحنة وشكل من العبادة، ومن الدليل على أن الله تعالى حل تلك العقدة وأطلق ذلك التعقيد والحبسة قوله: «رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني...».

m_alfahed@yahoo.com